باسم سلامة القليطي
فلسطين ليست مجرد عنوان عاطفي يُرفع عند الغضب، ولا شعاراً يُستدعى عند الحاجة، بل هي قضية إسلامية عادلة، ثابتة الجذور، عميقة الامتداد في وجدان الأمة. لا يختلف عليها عاقل، ولا ينازع في عدالتها منصف. لكن الإشكال لم يكن يوماً في وضوح القضية، بل في الضباب الذي يُصنع حولها، وفي الأيدي التي تتلاعب بها، حتى أصبحت عند البعض بوابة للحق، وعند آخرين سُلّماً للمصالح، وعند فئة ثالثة صنماً يُقدّس بلا وعي.
لقد نجح النظام الإيراني في تسويق نفسه – عند شريحة من البسطاء – باعتباره حامل لواء فلسطين، بينما الواقع يكشف وجهاً آخر أكثر قتامة. فالقضية عنده ليست غاية، بل وسيلة؛ وسيلة لاختراق المنطقة، وبناء نفوذ، وتغذية صراعات، وتمزيق دول. رفع شعار «تحرير فلسطين»، بينما كانت أفعاله على الأرض تسير في اتجاه مختلف تماماً، حتى أصبحت المدن العربية المنكوبة شاهداً حياً على هذا التناقض. ومع تكرار الخطاب، وضعف الوعي، صُنعت هالة زائفة حول هذا الدور، حتى ارتقى عند بعض الجهال إلى مرتبة لا تُمنح إلا للأخيار الصادقين.
وفي السياق ذاته، دخل الحزبيون على الخط، فاستثمروا حرارة القضية، وركبوا موجة التعاطف، وحولوها إلى منصة تعبئة، وجسر عبور لمصالحهم الخاصة. يرفعون شعارات ضخمة، ويقدمون أنفسهم حُراساً للمبدأ، بينما هم في الحقيقة يديرون لعبة مزدوجة؛ خطاب عاطفي للجماهير، وحسابات دقيقة خلف الكواليس. ومع مرور الوقت، أصبح أتباعهم يرونهم فوق النقد، بل يحيطونهم بهالة من العِصمة، وكأنهم ملائكة لا يخطئون، ولا يُسألون، وهنا يبدأ الانحراف الحقيقي: حين تُعطّل العقول باسم القضية.
إن أخطر ما أفرزته هذه الحالة هو تضخم التقديس على حساب التوحيد، حتى اختل الميزان عند بعض الناس، فأصبحوا يقيسون الحق بالموقف لا بالمبدأ. فقط لأنه نطق بكلمة مؤيدة، أو كتب تغريدة متعاطفة.
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ
وفي مقابل هذا التضليل، هناك من ينصر القضية بصمت واتزان، دعماً حقيقياً مستمراً، سياسياً ومادياً، دون متاجرة ولا صخب. المملكة العربية السعودية نموذج واضح لهذا المسار؛ تقدم الدعم المادي والمعنوي اللامحدود منذ عقود، دعم متواصل، وثبات في تبني القضية كأولوية، ومع ذلك تتعرض لحملات تشويه ممن اختلت عندهم البوصلة. بل بلغ التناقض ببعضهم أن يفرح بما يصيب دول الخليج من اعتداءات، وكأن العداء لم يعد يُقاس بمن يطلق الصواريخ، بل بمن يخالف أهواء أحزابهم ومصالح مموليهم في طهران. إنها لحظة انكشاف، سقطت فيها الأقنعة، وظهرت فيها الحقائق بلا رتوش.
والخلاصة التي لا بد أن تُستحضر: لا تعارض بين حب الوطن، والولاء له، وبين نُصرة قضايا المسلمين، بل إن الجمع بينهما هو الفهم الصحيح والاتزان المطلوب. أما تحويل القضايا إلى أدوات للطعن في الأوطان، أو جسور لتمرير مشاريع مشبوهة، فذلك انحراف في الوعي قبل أن يكون خطأ في الموقف.
ختاماً، فلسطين ستبقى قضية عادلة، لكن عدالتها لا تعني أن كل من تكلّم باسمها صادق، ولا أن كل من رفع شعارها مخلص. فبين صدق الفعل وتزوير القول مسافة لا يدركها إلا من أبصر بعين الوعي. فلا تنخدع بالبريق، ولا تُسلّم عقلك للعاطفة، وكن ممن ينصر الحق بميزانٍ ثابت، لا باندفاعٍ عابر.