إبراهيم بن يوسف المالك
لم تكن زيارة بعثة صندوق النقد الدولي إلى سوريا مؤخراً مجرد تقييم تقني لوضع اقتصادي متدهور، بل حملت في طياتها رسالة سياسية بقدر ما كانت اقتصادية.
فالصندوق لا يزور دولًا خرجت لتوّها من الانهيار بحثًا عن نمو سريع أو مؤشرات قوة، بل يأتي حين يرى نافذة محتملة لإعادة ضبط المسار، ولو بحدوده الدنيا.
في هذا السياق، يجب قراءة نتائج الزيارة لا بوصفها شهادة تعافٍ، بل كإشارة حذرة إلى أن مرحلة جديدة قد تبدأ، إن أُديرت بواقعية وانضباط.
ما أشار إليه الصندوق من تحسن نسبي في الاستقرار المالي، وحديثه عن فائض مالي طفيف، لا يمكن فصله عن طبيعة المرحلة.
هذا ليس فائض قوة ولا تعبيرًا عن اقتصاد منتج، بل فائض تقييد وانكماش اضطراري في بلد نُهكت موارده ودُمرت مؤسساته على مدى سنوات.
في مثل هذا الواقع، يصبح ضبط الإنفاق وعدم اللجوء إلى التمويل التضخمي إنجازًا بحد ذاته، لا لأنه يحل المشكلة، بل لأنه يمنع تفاقمها.
الصندوق هنا لا يحتفل، بل يذكّر بأن أي انفلات مالي في هذه المرحلة سيعيد البلاد سريعًا إلى دائرة التضخم وانهيار العملة.
الرسالة الأهم في زيارة الصندوق تكمن في الربط الضمني بين الاقتصاد والسياسة. الحديث عن إعادة اندماج تدريجي في الإقليم، وعن أثر تخفيف العقوبات، يكشف بوضوح أن التعافي الاقتصادي السوري لن يكون نتاج إصلاحات داخلية فقط، بل نتيجة توازن دقيق بين مسار سياسي خارجي ومسار مالي داخلي.
الصندوق يدرك أن النمو الحقيقي لن يبدأ قبل عودة سوريا إلى الحد الأدنى من النظام المالي والتجاري الدولي، لكنه في الوقت ذاته يضع شروطًا غير معلنة: الانضباط، الشفافية، والقدرة على إدارة المخاطر السيادية.
من زاوية سياسية-اقتصادية، أخطر ما يواجه أي قيادة جديدة في هذا السياق ليس شح الموارد، بل تضخم التوقعات. المجتمعات الخارجة من الانهيار لا تقيس الواقع بميزان الممكن، بل بميزان الألم المتراكم، وغالبًا ما تفترض أن التغيير السياسي يحمل معه حلولًا فورية. هنا تحديدًا يصبح التخطيط أهم من الانطلاق غير المحسوب. الصندوق، بخطابه الحذر، يبعث برسالة غير مباشرة: لا تراهنوا على القفز، بل على الصمود.
في عالم الأعمال، تُبنى الخطط الناجحة على أسوأ السيناريوهات، لا على أفضلها. هذا المنطق يصلح للدول أكثر مما يصلح للشركات.
حين تُصاغ «خطة إنقاذ» على افتراض تأخر التمويل، وتردد الاستثمار، وتقلب البيئة الإقليمية، فإنها تخلق هامش أمان سياسي واقتصادي. أي تحسن لاحق يتحول إلى إنجاز سريع، وأي تقدم يُحسب كنقطة ثقة، لا كتعويض عن وعود كبيرة لم تتحقق. أما البدء برؤية طموحة دون قاعدة صلبة، فيرفع سقف التوقعات إلى مستوى يجعل أول تعثر خيبة وطنية.
تحذير الصندوق من «الالتزامات الاحتمالية» في المشاريع الكبرى لا يعني رفض الاستثمار، بل التحذير من تحويل الطموح إلى عبء مؤجل. الدول الخارجة من الصراع تحتاج المشاريع الكبرى لتوليد الوظائف وبناء الأمل، لكنها إن دخلت هذه المشاريع دون حوكمة واضحة وتسعير دقيق للمخاطر، فإنها تؤسس لأزمة مستقبلية باسم التعافي.
الفرق بين مشروع إنقاذ ومشروع كارثة يكمن في من يتحمل المخاطر، وكيف، ومتى.
الشفافية هنا ليست ترفًا ولا شعارًا إصلاحيًا، بل أداة اقتصادية لمكافحة الفساد وإدارة التوقعات.
إعلان خطة إنقاذ واضحة، حتى لو كانت قاسية ومحدودة الطموح، يمنح المجتمع إطارًا للفهم ويمنح القيادة مساحة للعمل. الغموض، في المقابل، لا يحمي القرار، بل يتركه عرضة للشائعات والضغط الشعبي والتأويل السياسي.
في جوهرها، زيارة صندوق النقد الدولي إلى سوريا تقول شيئًا بسيطًا لكنه عميق: الباب لم يُفتح بعد، لكنه لم يُغلق.
ما سيحدد الاتجاه ليس حجم الطموح المعلن، بل قدرة الدولة على بناء قضية واقعية، والحصول على قبول مبكر، والتخطيط على أسوأ الاحتمالات.
في الدول الخارجة من الانهيار، النجاح لا يبدأ من المعجزات، بل من إدارة التوقعات، والانضباط، والاعتراف بأن التعافي مسار طويل لا لحظة احتفال.