د. محمد بن إبراهيم الملحم
في كل مناسبة يكون الحديث فيها عن التعليم يبرز سؤال ملح: كيف يرتقي التعليم؟ وهذا ليس خاصا بنا بل هو في كثير من الدول والمجتمعات، فالتعليم هو هم جمعي يتشارك فيه كل الناس ويطمحون باستمرار إلى تقدمه وتطويره وحتى لو حدث له شيء من التقدم فإن الطموح يستمر ويستمر، وهذا نمط طبيعي لمطالب المجتمع خاصة نحو هذا المجال الذي يمثل مرتكز المحور الذي تتنافس فيه الدول في سباقها للمجد والتفوق والازدهار، فبدون العلم لا يمكن أن تبنى الصناعة المتقدمة ولا التجارة المنافسة ولا الثقافة المشرقة ولا تحصل القوة العسكرية التي تؤمن أمن البلاد والناس وترفع الحياة في أوج الازدهار والطمأنينة. وبالنسبة لنا ففي كل مجلس أو مناسبة أحضرها يبادر الحاضرون بطرح هذا السؤال على أهل الخبرة في التربية والتعليم أو المسؤولين أو أصحاب الحكمة والمفكرين: كيف ومتى يتحسن التعليم لدينا ويتطور وينهض ليصبح مثل الدول المتقدمة؟ بل أحيانا يصاغ السؤال في دوائر تدور حول هذا المسؤول التعليمي أو ذاك وماذا فعل وماذا قدم وما هي مساهمته للتطوير، وأعتقد أن مثل هذا الطرح وحده يمثل المشكلة قبل أن يكون سؤالا في حد ذاته، ذلك أن محوره شأن التطوير التعليمي حول شخص ما أو حتى عدة أشخاص سواء كانوا معا في الوقت نفسه أو متفرقين هو ابتعاد عن جوهر المشكلة وتذويتها في الشخصيات، وإن من يطرحون هذه الأسئلة (السطحية في نظري) لا يلامون لأن هذا التفكير تركة مجتمعية راسخة لا يمكن التخلص منها بسهولة، وأقصد ربط الإنجاز بشخص المسؤول، ومع أنه من المعطيات التي تأسست من خلال المشاهدات والإرث التقليدي للفردية، فإن كثيرا من المذكرات الشخصية التي سجل فيها مسؤولون سابقون إنجازاتهم في التعديل والتطوير والتحسين بقرارات فردية «جريئة» وكذلك كثير من المرويات الشفهية المشابهة والمتداولة عززت من هذا التفكير وأكدته ونظمته في نسق ثقافي يحميه، ومع ذلك وتنزلا عند حقائق الواقع وطبيعة المرحلة التاريخية فإن هذه التداعيات لا يمكن تخطئتها البتة فهي نتاج وقتها وظروفها، ولكن لا بد لعربة التحول الاجتماعي والفكر الإداري أن تتحرك للأمام وتنتقل لمرحلة جديدة بفكر جديد وممارسة تتناسب مع معطيات العصر الحالي وتستجيب له، ففي دولة الفكر المؤسسي التي تقودها رؤية 2030 بكل طموحها المتفرد في المنطقة وبكل زخمها الوطني العميق، ينبغي أن تكون هناك نقلة نوعية في كيفية التعامل مع حركة التحول في كلأن من شؤون خدمات الوطن سواء التعليمية أو الصحية أو التجارية وغيرها، وفي هذا الشأن أجد أن أفضل ما يمكن أن يدعم هذا الاتجاه هو تحويل دور الوزارة من التنظيم والحوكمة ليقتصر على التنفيذ والتشغيل الناجح لا أكثر، ولا يكون ذلك إلا بتأسيس جهة خاصة تتولى أمر الحوكمة والنظم التعليمية، وهنا يجب ألا تكون هذه الجهة وزارة أو هيئة أو مركز أو أي شيء من هذا القبيل، ذلك أن هذه كلها ستدار بواسطة شخص واحد هو (وحده) من يتحمل مسؤولية قرارات الحوكمة والنظم أمام كبار المسؤولين بالدولة وأمام الناس وهنا سيتكرر ما يجري على مستوى «الوزارة» من اجتهاد قد لا يلتقي مع الطموحات بسبب التفرد بالقرار، ولكن ينبغي أن يكون هذا الكيان مجلسا أعلى لا يكون لمن يديره سوى صلاحية عقد المجلس ورعاية أنظمته وتشغيله، أما في قرارات المجلس فصوته مثل صوت أي عضو آخر، وفي هذه الحالة ستكون حوكمة الشؤون التعليمية أكثر نضجا وأفضل أداء ذلك أنها ستطبخ على نار هادئة ودون أي تأثيرات وظيفية كما يحصل في اللجان الوزارية، ومع تصورنا لشدة تنوع أفراد هذا المجلس الأعلى من مختلف التخصصات والاهتمامات وأطياف المجتمع ذكورا وإناثا فإننا نتوقع أن تكون نتاجات مثل هذا المجلس في أشد التناغم مع متطلبات المجتمع وتوقعاته، كما أنه سيقدم بجرأة على تبني التوجهات البناءة دون أن تؤثر فيه مترتبات التنفيذ التي كانت تؤثر في النمط السابق بل ربما تؤدي أحيانا إلى التضحية ببعض التوجهات المهمة من أجل التخلص من تبعات التنفيذ «المتعبة أو المزعجة»، وهناك كثير من الفوائد المشابهة لهذا النموذج الذي هو نموذج عالمي مطبق في كثير من الدول المتقدمة منذ عقود وأثبت قوته ونجاعته فأتمنى أن يكون هذا المجلس قريبا جدا.
***
- مدير عام تعليم سابقا