وائل العتيبي - جدة:
في مشهدٍ سينمائي عربي يشهد تحولات متسارعة، يواصل السيناريست والمنتج أحمد الزغبي ترسيخ حضوره كأحد الأسماء اللافتة التي تجمع بين تعدد الأدوار ووضوح الرؤية، مقدمًا تجربة إبداعية متكاملة تمتد بين الكتابة والإخراج والإنتاج، ومؤكدًا أن الحكاية الجيدة تظل القاسم المشترك القادر على عبور الحدود والثقافات.
برز اسم الزغبي بشكلٍ لافت من خلال مشاركته في كتابة قصة وإنتاج الفيلم السعودي «هجان»، وهو عمل درامي يغوص في عالم سباقات الإبل، مستلهمًا بيئة الصحراء وتقاليدها، مع حضور واضح لروح أفلام «الويسترن».
وجاء العمل ثمرة تعاون مع المخرج أبو بكر شوقي، إلى جانب فريق كتابة ضم مفرج المجفل، عمر شامة، وزينب غريب، في صياغة جماعية قدّمت رؤية تجمع بين الخصوصية المحلية والطموح العالمي.
وقد نجح الفيلم في لفت الأنظار عبر مشاركاته في مهرجانات عربية ودولية بارزة، بما يعكس قدرته على تقديم سرد بصري متجاوز للقوالب التقليدية.
وفي سياق موازٍ، يخوض الزغبي تجربة تأليفية مختلفة من خلال فيلم «برشامة»، الذي يشكل محطة خاصة في مسيرته، بعد رحلة تطوير امتدت لنحو تسع سنوات من العمل المتواصل بين الكتابة وإعادة الصياغة. وشارك في كتابة السيناريو إلى جانب شيرين دياب وخالد دياب، في تجربة تعاونية تعكس إيمانه العميق بأهمية الشراكة الإبداعية.
ويؤكد الزغبي في تصريح خاص أن خروج الفيلم إلى النور يمثل تتويجًا لرحلة طويلة من الإصرار والتحدي. ويقول الزغبي: «بدأت رحلتي مع كتابة السيناريو بشكل احترافي عام 2016. قبل ذلك كنت أميل إلى الكتابة كهواية، لكن من دون خبرة حقيقية أو ممارسة منتظمة. اللحظة التي شعرت فيها أن هذا هو الطريق المناسب كانت حين بدأت تأتيني أفكار قوية، وكل من كان يسمعها ينجذب إليها بشكل واضح ويشجعني على تطويرها والاستثمار فيها. ومن بين هذه الأفكار، بالمناسبة، كانت فكرة فيلم «برشامة»».
وحول أبرز المؤثرات في تكوينه الفني، يضيف: «من أبرز الكتّاب الذين أثروا في تكويني بالتأكيد الأستاذ الكبير وحيد حامد، وماهر عواد، وبشير الديك، وداود عبد السيد، وكذلك المؤلف والمخرج رأفت الميهي».
ويستعيد الزغبي بداياته، مشيرًا إلى التحديات التي واجهته قائلًا: «كانت البداية صعبة للغاية. أنا جئت من مدينة ساحلية خارج العاصمة، هي بورسعيد، ولم أدرس السينما بشكل أكاديمي، كما لم تكن لدي أي صلة مباشرة بالوسط الفني. لذلك بدا دخول هذا المجال بالنسبة لي احتمالًا صعبًا وبعيدًا، خاصة لشخص لا يملك العلاقات ولا الإمكانيات المادية الكافية للإقامة في القاهرة. لكن مع المثابرة، والمرونة، والصبر، استطعت تدريجيًا أن أحسن ظروفي، وأبني علاقات حقيقية، وأثبت وجودي». وفيما يتعلق بالتعامل مع التعديلات على النصوص، يوضح: «أتعامل مع التعديلات بقدر علاقتها بالرؤية العامة للمشروع. طالما أن التعديل يخدم هذه الرؤية ويطورها، فأنا أرحب به بالتأكيد. أما إذا شعرت أن التعديل يغير جوهر المشروع أو يشوِّه روحه وطبيعته، فأنا أرفضه».
وعن الجرأة في الطرح، يلفت الزغبي إلى وجود حالة من التردد لدى بعض صنَّاع الأعمال، قائلًا: «أظن أن هناك قدرًا من التخوف العام من الجرأة في طرح الموضوعات. فبعض الصناع، سواء كانوا كتابًا أو مخرجين أو منتجين، يتعاملون أحيانًا مع فكرة أن الموضوعات الجريئة -وأنا هنا لا أقصد فقط الموضوعات الساخنة- قد لا تحظى بقبول جماهيري، وأن الجمهور يفضل الحكايات الخفيفة التي لا تثير الجدل. لكن ما يثير حيرتي أن هذا الجمهور نفسه يتفاعل في أحيان كثيرة مع أفلام أجنبية تطرح موضوعات عميقة، ومثيرة للتساؤل، ومسلية في الوقت نفسه. لذلك يبقى السؤال بالنسبة لي: لماذا يبدو هذا التقبل أكبر حين يأتي الطرح من الخارج، بينما يتراجع أحيانًا حين يتعلق الأمر بمشروعات محلية تناقش أسئلتنا نحن وواقعنا نحن؟».
وفيما يخص الأعمال المعاد تقديمها (Remake)، يؤكد: «ليست لدي مشكلة مع فكرة الـ remake في حد ذاتها، طالما أن هناك رؤية جديدة ومعالجة حقيقية تضيف إلى العمل الأصلي ولا تكتفي بتكراره. أعتقد أن قيمة أي remake تتوقف على ما إذا كان يقدم قراءة مختلفة ومبررة، أم أنه مجرد محاولة للاستفادة من نجاح سابق».
ولم تقتصر مساهمات الزغبي على الكتابة، بل امتدت إلى مجال اختيار الممثلين (Casting Direction)، حيث شارك في عدد من الأعمال السينمائية المهمة مثل «الست»، «الحريفة 2»، «رحلة 404»، و»عصابة الماكس»، وهو ما يعكس فهمه العميق لعلاقة النص بالأداء، وقدرته على اختيار الوجوه القادرة على تجسيد الشخصيات بواقعية.
أما على صعيد الإخراج، فقد قدم فيلم «قفلة»، الذي عُرض في عدد من المهرجانات السينمائية، من بينها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان تامبيري، ما أتاح له تقديم رؤيته الإخراجية لجمهور دولي، وتعزيز حضوره كمخرج إلى جانب كونه كاتبًا.
تعكس تجربة أحمد الزغبي ملامح جيل جديد من صُنّاع السينما العرب، الذين لا يكتفون بدور واحد، بل يتحركون بمرونة بين الكتابة والإخراج والإنتاج، سعيًا لتقديم أعمال متكاملة تحمل هوية خاصة. وبين الصحراء في «هجان»، والدراما الإنسانية في «برشامة» و»قفلة»، يواصل الزغبي بناء مشروعه الفني بخطوات واثقة، مؤكدًا أن السينما، في جوهرها، تظل فن الحكاية أولًا.