خالد بن حمد المالك
سبق الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، ثلاث مهل، بدأت بـ48 ساعة ثم ستة أيام وبعد ذلك عشرة أيام، وها نحن أمام مهلة رابعة هي الأطول ومدتها أسبوعان.
* *
المهل الثلاث السابقة لم يتم الاتفاق عليها، وإنما هي اقتراح أمريكي مشروط بموافقة إيران على 15 بنداً تم رفض إيران لها، ما جعل القتال يستمر لخمسة أسابيع، بتكاليف عالية بشرية ومادية تكبدتها أمريكا وإسرائيل وإيران، ودول مجلس التعاون.
* *
تعتمد الهدنة بإيقاف الحرب لمدة أسبوعين على عشر نقاط قدمتها إيران، مختلفة كلياً عن النقاط الـ15 التي كان مصدرها البيت الأبيض وتم رفضها من طهران، ما فُسِّر بأنه تنازل من أمريكا، وإن اعتبر الرئيس ترامب أن الاتفاق على الهدنة يمثِّل انتصاراً لأمريكا.
* *
من الواضح أن الدول الثلاث تعبت من الحرب، وأنهكها القتال، وتضرَّرت من الخسائر، وأنها كانت راغبة في الوصول إلى هدنة تفضي إلى حل دائم، مع عدم تكرار هذا النوع من الصراع فيما عدا إسرائيل.
* *
أمريكا أمام انتخابات قريبة، واستمرار الحرب يضعف فرص الحزب الجمهوري في الفوز بالانتخابات، وبالتالي استمرار تفوقه على الحزب الديمقراطي، وفق نتائج الاستطلاعات التي تربط نتائج الانتخابات باستمرار الحرب، وتصاعد الخسائر، واستمرار صعود أسعار النفط، وتأثير ذلك على الاقتصاد في العالم.
* *
إيران تعرَّضت رغم مقاومتها إلى خسائر مدمِّرة، وإلى مستقبل غامض مع استمرار الحرب، مع أنها قضت على الوهم الإسرائيلي بأن لديه جيشاً لا يُقهر، فقد وصلت الصواريخ والطائرات المسيَّرة الإيرانية إلى كل مكان في إسرائيل، فهدَّمت وقتلت وأزالت وبثت الرعب في أوساط الشعب الإسرائيلي.
* *
إسرائيل هي الوحيدة التي رغم تضرُّرها ميدانياً، فقد كانت ضد الهدنة، وضد وقف الحرب، فتعضيد أمريكا ومساندتها لها في هذه الحرب قد لا تتكرر مستقبلاً إذا ما كان هناك ما يستدعي لحرب أخرى، وتل أبيب -كما يقول قادتها- ترى أن الخسائر التي تكبدتها، وإن كانت موجعة، فإنها تضمن حياة وجودية للإسرائيليين في المستقبل، أمام ضعف القوة الإيرانية.
* *
قبل ساعات من الإعلان عن اتفاق الهدنة، هدَّد الرئيس ترامب بأنه سيقضي على الحضارة الإيرانية، وزاد على ذلك بأنه سوف ينهي الدولة الإيرانية، وأنها ستشهد ما لم يره العالم من قبل، ومن قبل كان قد قال بأنه سيحول إيران إلى ظلام دامس، وبلا نفط، ومن دون جسور، لكن أقواله شيء، وموافقته على الهدنة وفق بنود إيران العشرة شيء آخر.
* *
يوم الجمعة القادم ستبدأ المباحثات في إسلام آباد الباكستانية بين الطرفين، تحت رعاية باكستانية، وليس من المتوقَّع أن يتم الاتفاق نهائياً على وضع حد للحرب، والاتجاه نحو سلام دائم، ما يعني الاضطرار إلى تمديد المهلة، للسماح للطرفين بالوصول إلى تفكيكٍ لنقاط الخلاف.
* *
هذه الهدنة تسمح لإيران تحديداً بتحسين وضعها العسكري بتزويد قواتها عن النقص من مسيَّرات وصواريخ وأجهزة دفاع جوي بالحصول عليها من حلفائها، ومراجعة ترتيب البيت من الداخل، والسيطرة على المعارضة التي قد تجد دعماً من أمريكا وإسرائيل لتقويض السلطة والانقلاب على النظام.
* *
في إسرائيل الخاسر الكبير هو نتنياهو الذي عينه على الانتخابات القادمة، وعينه الأخرى على المحاكم التي تنتظره، خاصة وأن انتصاراته في غزة ربما أضعف مردودها الضربات التي تعرَّضت لها إسرائيل من إيران بشكل ومستويات لم تعتْد عليها في كل حروبها، ما يجعل المعارضة الإيرانية في موقف أفضل بعد هذه الحرب.
* *
ومع كل هذا، فإن السلام لن يتحقق بالمنطقة ما بقيت الدولة الفلسطينية دون حل، فالمشكلة الأساسية في عدم استقرار المنطقة تتمثَّل في حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة في إقامة دولته على كامل أراضيه التي احتلت عام 1967م في ما سُمي بحرب الأيام الستة.