محمد بن عبدالله آل شملان
في إحدى زوايا العطاء الصامت، حيث لا تُرفع الشعارات ولا تُطلب الأضواء، سطّر المواطن ناصر بن عبدالله آل محيش من محافظة وادي الدواسر قصة إنسانية ساحرة، عنوانها الإخلاص، ومضمونها الرحمة، وفصولها تُكتب بقطرات دمٍ أحيت - بعد إرادة الله - قلوباً كادت أن تتوقف، وأعادت الأمل لأسرٍ كانت تنتظر معجزة.
لم يكن التبرع بالدم بالنسبة لناصر مجرد موقف عابر أو مشاركة موسمية، بل كان قناعة راسخة تسكن قلبه، ورسالة إنسانية يؤمن بها، وطريقاً اختاره ليكون فيه سبباً في حياة الآخرين. كان يذهب في كل مرة بهدوء، يمد ذراعه بثقة، ويترك خلفه أملاً جديداً لإنسان لا يعرفه، لكنه يؤمن أن الإنسانية لا تحتاج معرفة، بل تحتاج قلباً نابضاً بالعطاء.
ومع مرور الأيام والسنوات، لم يتوقف، ولم يتراجع، ولم يبحث عن مقابل أو شهرة، بل استمر في رحلته الإنسانية حتى وصل إلى الرقم 93 في عدد مرات التبرع بالدم. هذا الرقم ليس مجرد عدد، بل هو حكاية 93 موقف عطاء، و93 لحظة إنقاذ، و93 دعوة صادقة من مريض لا يعرف اسمه، لكنه يعرف أن هناك إنساناً تبرع له بجزء من حياته ليستمر في الحياة.
هذا العطاء النبيل لم يكن ليُخفى، فقد تم تكريم ناصر بن عبدالله آل محيش من قبل محافظ وادي الدواسر الأستاذ فهد بن عبدالله المسعود، بحضور مدير مستشفى المحافظة الأخصائي أول ياسر بن عبدالله آل شملان، تقديراً لجهوده الإنسانية ومبادرته النبيلة، في مشهد يعكس تقدير المجتمع لكل من يجعل من إنسانيته رسالة، ومن عطائه أسلوب حياة. وكان التكريم تتويجاً لمسيرة من الخير، ورسالة شكر لكل إنسان يعطي دون أن ينتظر.
وقد عبّر ناصر عن امتنانه وتقديره لإدارة المستشفى وقسم المختبر، مشيداً بدورهم الكبير في تسهيل إجراءات التبرع وتنظيمها، وحرصهم على خدمة المتبرعين، مما كان له الأثر الكبير في استمراره في هذه المسيرة الإنسانية. كما أكد أن ما يقوم به يأتي أيضاً ضمن توجهات الدولة - حفظها الله - وحملة سمو ولي العهد للتبرع بالدم، التي تهدف إلى نشر ثقافة التبرع وتعزيز روح التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع.
قصة ناصر ليست قصة تبرع بالدم فقط، بل قصة إنسان آمن بأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في هذه الحياة هو أثر طيب في حياة الآخرين. هي قصة رجل فهم معنى أن تكون إنساناً قبل كل شيء، وأن أعظم العطاء هو الذي لا يُرى، ولا يُحكى، لكنه يُنقذ حياة.
سيبقى الرقم 93 مجرد رقم في السجلات، لكنه في الحقيقة 93 حياة، و93 أملاً، و93 ابتسامة عادت بعد حزن، و93 أسرة دعت له دون أن تراه. وهنا تكمن عظمة العطاء، أن تفعل الخير وتمضي، ويكفيك أن الله يعلم، وأن هناك قلوباً في مكان ما تدعو لك لأنك كنت سبباً في استمرار نبضها.
وهكذا يثبت ناصر بن عبدالله آل محيش أن الأبطال ليسوا دائماً في العناوين، بل أحياناً يكونون في بنوك الدم، يمدون أذرعهم بصمت، ويكتبون أعظم القصص بقطرات من دمهم، قصص لا تُحكى بالحبر، بل تُحكى بالحياة.