محمد الخيبري
في عُرف كرة القدم، الجماهير هي الوقود، لكن في عُرف الهلال، المدرج هو البوصلة والرقيب، هو الشريك في القرار والمحرِّض الأول على منصات التتويج.. وحين ينبعث صوت العتب من جنبات هذا المدرج، فإنه لا يأتي من فراغ، بل من غيرةٍ تشتعل، ومن سقف طموحٍ ناطح السحاب حتى باتت الوصافة في عيونهم إخفاقاً، وفقدان الصدارة -ولو مؤقتاً- زلزالاً يتطلب الوقوف على مسبباته بكل تجرد.
ضجيج الحب.. وحمى النقد
لقد شهدت الآونة الأخيرة حراكاً جماهيرياً صاخباً، ارتفعت فيه نبرة النقد تجاه بعض نجوم الفريق الذين غاب عنهم الوهج، وانصبت السهام نحو تذبذب النتائج وسوء المستوى الذي لم يعتده «الشقردية».
لم يكن العتب محصوراً في المستطيل الأخضر فحسب، بل امتد ليشمل ملفات شائكة؛ من إصابات عضلية داهمت جسد الفريق وأنهكت قواه، وصولاً إلى توترٍ يسبق الصافرة، ومعاناةٍ لوجستية تمثَّلت في ارتفاع أسعار تذاكر «المملكة أرينا»، ذلك الصرح الذي أراده الهلاليون حصناً للمتعة، فصار البعض يراه عبئاً على جيب المشجع المخلص.
هذا العتاب الجماهيري المر، لم يكن يوماً محاولة لزعزعة الاستقرار، بل هو انعكاس لبيئة نموذجية لا تقبل الركود.. فالمشجع الهلالي لا يشجع ليمضي وقته، بل يراقب، يحلل، ويحاسب، لأنه يدرك أن الصمت على الخلل هو أولى خطوات السقوط.
الحزم والحذر.. حكمة القيادة
أمام هذا الطوفان من النقد، لم تقف الإدارة الهلالية موقف المتفرج، ولم تنجرف وراء العاطفة الوقتية، بل كان تجاوبها مزيجاً عبقرياً من «الحزم» في معالجة الأخطاء الداخلية، والحذر في التعاطي مع المتغيِّرات الإعلامية.
وضعت الإدارة كل تلك الانتقادات تحت المجهر، ففحصت ملف الإصابات، وراجعت مسببات تراجع الأداء، وسعت لضبط إيقاع العلاقة مع الجماهير فيما يخص تنظيمات الملعب.
إن هذا التفاعل الراقي يؤكد أن بيئة الهلال «أرض خصبة» للتقويم، وليست مجرد مؤسسة تُدار بالأوامر.. إنها علاقة تدرس في كيفية تحويل غضب المدرج إلى طاقة عمل في المكاتب، وفي كيفية امتصاص التوتر وتحويله إلى قرارات حازمة تعيد الهيبة للفريق.
السطوة التي لا تغيب
رغم سحب العتب التي مرت، يبقى الهلال هو الثابت وغيره المتغير.. هذه الهيمنة المحلية، والسطوة الخليجية، والزعامة القارية التي بسطها الزعيم بنفوذه الفني، لم تكن لتستمر لولا هذا الضغط الجماهيري الذي يرفض الاستكانة.. وما احتلال الهلال للمركز الرابع عشر عالمياً حسب تصنيف الاتحاد الدولي (FIFA) الأخير، إلا برهان ساطع على أن هذا الكيان يسير في ركب العمالقة، مدفوعاً بإدارة واعية ومدرجٍ لا ينام على ضيم الفشل.
سيظل عتاب الجماهير هو «الترمومتر» الذي يقيس به الهلاليون حرارة طموحهم، وستبقى الإدارة هي الدرع الذي يحول هذا العتاب إلى مكتسبات.. ففي الهلال، لا يفسد العتب للود قضية، بل يجدد دماء المجد، ويبقي شعلة الهيمنة متقدة في سماء القارة والعالم.