جانبي فروقة
تخيّل أنك تجلس في مطبخك مساءً وتريد طهي شيء مختلف لعائلتك ، قبل خمس سنوات كنا نكتب «وصفة دجاج بالليمون» في محرك البحث ثم تتصفح أربعة روابط أو أكثر ومن ثم نقارن بين التقييمات مرورا بالتعليقات المتضاربة وبعد ربع ساعة نقررأو ربما نستسلم ونطلب بيتزا.
أما اليوم فأنت أنت تسأل فقط الذكاء الاصطناعي «اقترح لي وصفة سريعة بالمكونات التي عندي: دجاج، ليمون، ثوم، وزعتر» وفي ثوانٍ تتولد لديك إجابة مخصصة لك ولمطبخك أنت. وهذا لا يعتبر تحسينًا تقنيًا بسيطًا بل تحوّلا في طبيعة علاقة الإنسان بالمعلومة فنحن لم نعد نبحث ونقارن بعد الآن بل نحن نسأل ونُقرَّر والفرق بين الأمرين أعمق مما يبدو ففي عصر الوفرة الرقمية لم نعد نعاني من نقص الخيارات بل من Decision Fatigue ذلك الإرهاق الذهني الذي وصفه علماء النفس مثل كانيمان وباومايستر حيث تتحول الحرية المطلقة إلى عبء نفسي يربك القرار بدل أن يحرّره وتتراجع جودة الاختيار مع تزايد الخيارات.
إن الذكاء الاصطناعي جاء بمنطق مختلف فهو لا يعرض عليك كل شيء بل يختار لك بمعنى آخر هو لا يقودك إلى الخريطة بل يمشي معك في الطريق وهذا ما يجعله ليس مجرد أداة بل وسيط جديد في اتخاذ القرار فالبحث يمنحك خيارات والذكاء الاصطناعي يمنحك قرارًا.
في فن التسويق التقليدي القاعدة هي أن تزرع اسمك التجاري في ذهن المستهلك بحيث إذا تذكرك عند الحاجة فقد ربحت نصف المعركة وكانت اللوحات الإعلانية والتلفزيون والصحف هي أدوات صناعة هذا التذكر ثم جاء الإنترنت فتحولت المعركة إلى الظهور في الصفحة الأولى من نتائج البحث SEO ولكن اليوم تتغير القواعد مرة أخرى فلم يعد المستهلك يتجوّل بين رفوف المتاجر ولا حتى بين صفحات البحث فقد ظهر رف جديد غير مرئي لكنه الأكثر تأثيرا وهو الرف الخوارزمي ( Digital Algorithmic Shelf ) وهو الفضاء التي تعمل داخله أنظمة الذكاء الاصطناعي حيث يتم تحديد أي المنتجات والخدمات والعلامات التجارية تستحق أن تُذكر وأيها يُنسى لكن هذا الرف ضيّق جدًا والمنافسة عليه شرسة فالذكاء الاصطناعي لا يكافئ الأجمل ولا الأعلى صوتًا بل يكافئ الأوضح والأبسط والأسهل في الفهم والمقارنة والعلامة التجارية التي لا تقدّم معلومات دقيقة منظّمة وقابلة للمعالجة ستُستبعد من هذا الرف مهما كانت شهرتها والمعركة لم تعد على جذب الانتباه بل عل كسب التوصية والقاعدة الجديدة تقول في عصر الذكاء الاصطناعي لا يكفي أن يعرفك السوق بل يجب أن تفهمك الخوارزميات.
ولفهم كيف أصبحت المهن تتغير من الداخل بفضل الذكاء الاصطناعي لا بد من أن نفهم أن التحول ليس فقط في كيفية شرائنا أو تخطيطنا لإجازاتنا إنه يعيد رسم طبيعة المهن البشرية من جذورها فالطبيب اليوم لا يستعيض بالذكاء الاصطناعي عن خبرته لكنه يوظّفه لمراجعة آلاف الأبحاث في دقائق ومقارنة الأعراض بأنماط إكلينيكية لا يستطيع ذهن بشري حفظها والنتيجة هي قرارات تشخيصية أسرع وأقل عرضةً للخطأ والمهندس بات يُقلّص دورة التصميم من أسابيع إلى أيام حين تحاكي له الأنظمة الذكية نتائج مئات السيناريوهات قبل أن تُطبع خطة واحدة أو مخطط هندسي وأما المحاسب فلم تعد مهمته إدخال الأرقام بل تلك باتت من مهام الآلة ومهمته اليوم تفسير ما تعنيه الأرقام وبناء قرارات استراتيجية على تنبؤات دقيقة تخرجها الأنظمة الذكية في ثوانٍ وحتى الإبداع لم يبقَ بمنأى فمصمم الأزياء يستطيع اليوم أن يسأل الذكاء الاصطناعي:
ما الاتجاهات التي ستسود الموسم القادم في أسواق جنوب شرق آسيا؟ ويحصل على إجابة مبنية على بيانات حقيقية لا على حدس وحده، الذكاء الاصطناعي لا يلغي الخبير لكنه يُحرره من الأعباء الإجرائية ليتفرّغ لما هو بشري حقاً وهو الحكم والتعاطف والمسؤولية.
إذا قررت أن تخطط لإجازة عائلية، في الماضي كانت هذه العملية تستغرق أياما من التصفح وعشرات التبويبات المفتوحة وقرارات متشعبة أي فندق وأي رحلة وأي مطعم وما هي الميزانية واليوم في محادثة واحدة مع منظومة ذكاء اصطناعي يمكن أن تحصل على خطة سفر مخصصة لعائلتك تحديدا تأخذ بالاعتبار ميزانيتك وأعمار أطفالك وتفضيلاتك وهواياتك والأمر اليوم صار يشمل التعليم والصحة والقرارات المالية فاليوم صار الإنسان المسلّح بأدوات ذكاء اصطناعي جيدة يستطيع اليوم أن يُنجز فــي يوم واحد ما كان يتطلب أسبوعاً وأن يتخذ قرارات مستنيرة في ميادين كانت حكراً على المتخصصين.
هناك مفارقة عميقة تستحق التأمل فقد بُني الإنترنت على فكرة الوفرة حيث إن كل المحتوى متاح وكل الأصوات مسموعة وكل الخيارات موجودة وهذه الوفرة خلقت ديمقراطيةً معلوماتية لم يشهد التاريخ مثيلها لكن الذكاء الاصطناعي يعيد ضبط هذه المعادلة من مبدأ «اعرض كل شيء» إلى «اختر الأفضل « وهو في جوهره إعادة تنظيم للعقل الجمعي البشري عبر الأنظمة الرقمية حيث باتت الخطورة والفرصة في نسق واحد فمن يُحدّد ما هو الأفضل ؟ وبأي معايير؟ هذه أسئلة لم تُحسم بعد وستشكّل جدلاً حقيقياً في السنوات المقبلة.
التوصية الكبيرة اليوم في استخدام الذكاء الاصطناعي للأفراد هي أن لا تتخذه مفكرا بديلا بل مساعدا يوفر لك الوقت ولا تتنازل له عن الحكم ومن المهارات الأثمن في العقد القادم ستكون هي بناء تطوير التفكير النقدي ومساءلة التوصيات الآلية وأما بالنسبة للشركات فالرسالة أوضح أكثر وأكثر إلحاحا فلم يعد كافيا أن تكون علامتك التجارية مشهورة بل مفهومة من الإنسان والآلة بآن واحد فمعلوماتك يجب أن تكون منظمة واضحة وقابلة للمقارنة وهوية علامتك يجب أن تنطق حين تسأل عنها خوارزمية لا فقط حين تراها عين بشرية فالعلامة التجارية التي تحاول اليوم جاهدة الاستحواذ على انتباه المستهلك ستجد نفسها قريبا تتصارع على شيء أصعب وهي أن تكون الخيار الذي يوصي به نظام لا يشعر بالإعجاب ولا تؤثر فيه الإعلانات، فنحن أمام مفترق طرق رقمي يعيد صياغة علاقة المعلومة بالقرار ولعقود شكل الإنسان عاداته المعرفية حول البحث (تصفح قارن وقرر) واليوم يتشكل نمط جديد وهو أسأل، ثق وتصرف وهذا النمط أسرع وأيسر وأقل إرهاقا، ولكنه يضع على عاتقنا مسؤولية جديدة وهي عدم فقدان ملكة السؤال النقدي في خضم سهولة الإجابة ففي نهاية المطاف الذكاء الاصطناعي يجيد الإجابة لكن السؤال الصحيح لا يزال من صنع الإنسان.
في عصر الذكاء الاصطناعي الفائزون ليسوا من يتم تذكرهم بل من يتم ترشيحهم فالخوارزميات لا تعرف المحاباة.