د.محمد بن عبدالرحمن البشر
لا شك أن لكل أهل زمان حياتهم وثقافتهم المنبثقة مما ورثوه من أجدادهم، يضيفون إليها ما يستجد من تطور ذاتي أو مستورد، أو ربما تأخر لأسباب أخرى بدل التطور، مثل الحروب، أو ضعف الاقتصاد، أو ظهور النزعات العنصرية سواء لأسباب دينية أو مذهبية أو عرقية أو مناطقية أو لغوية أو غيرها، وفي نهاية المطاف فإن التغير الإيجابي أو السلبي سيكون حاضراً من فترة إلى أخرى، قد يعيشها جيل واحد أو أكثر من جيل.
استقرار البشرية وتعرف الإنسان إلى الزراعة كان تطوراً هائلاً، والتدوين وكتابة النقوش على الحجر، أو الكتابة على ورق البردي، أو على الجلود، كان أيضاً تطوراً، وعبادة الإنسان للظواهر الطبيعية يعتبر تطوراً في مفهومه بأن هناك قوة عظيمة تدبر هذا الكون، ووجود الرسل والأنبياء لهداية البشرية يعتبر تطوراً هائلاً تغيرت معه المفاهيم والثقافات، ووجودهم كانت هداية باقية لعبادة الله - عز وجل - مدبر هذا الكون، وأيضاً وضع شرائع يهتدي بها بنو البشر في مناحي حياتهم.
التطور الكبير من مدن العشش في الشام والعراق ومصر إلى البيوت الطينية البسيطة، ثم القفز إلى بناء الصروح الكبيرة مثل الأهرامات، وحدائق بابل، ثم ما هو موجود في اليونان وفارس، والتغير في الجزيرة العربية من العيش على الرعي في الصحراء حتى كان الاستقرار في بعض الواحات فتكونت ممالك المدن، مثل ما هو موجود في سوريا والأردن وفلسطين ولبنان، هذا يعتبر تطوراً بسبب تطور الثقافة الفكرية والعلمية، ومثل ذلك كان في الصين حيت تحولت من القبائل المتحاربة إلى قوتين، ثم قوة واحدة، هي التي شكلت قومية خان، ثم تلتها القوميات الأخرى ومنها قومية خوي المسلمة.
النهضة العلمية اليونانية المبنية على العلوم الطبيعية، والوصول إلى نظريات علمية، نقلها العرب إلى بلادهم وأضافوا إليها ما يفيد، كما توصلوا إلى نظريات جديدة، ونقلوا كل ذلك إلى أوروبا، ولم يستفيدوا منها عملياً لأسباب عديدة يصعب سردها الآن، وكان وجود المسلمين في الأندلس فرصة أوربية للتعرف على ثقافة جديدة بعد أن كانوا في العصور المظلمة، ونهلوا من معينها ثم طبقوا ما تعلموه واستفادوا منه في مخترعاتهم التي نقلتهم إلى أن أصبحوا رواداً في معظم ميادين العلم، وللدلالة على المساهمة الكبيرة للمسلمين يكفينا فقط ذكر الخوارزمي، والذي كان له الفضل في طرح علم التفاضل والتكامل، فكانت نتائج علمه ما نشاهده اليوم من تقنية رقمية مذهلة آخرها الذكاء الاصطناعي المبني على الخوارزميات نسبة إلى الخوارزمي.
أقول ذلك وأنا عشت وما زلت أعيش التحولات الهائلة في التغير الصناعي والخدمي الذي تعيشه المملكة في ظل الاستقرار تحت قيادة حكيمة، لقد عاش جيل ما زال موجوداً حتى الآن حياة دون كهرباء أو توزيع ماء في الصنابير بل كان السراج والأتريك والشموع مصدر الإضاءة، كما أن السَّقَّاء، أو البئر المنزلي مصدر الماء، واليوم بحمد الله يرى الجيل نفسه هذا التطور الهائل والخدمات الكبيرة في جميع المناحي دون حصر، ثم نعيش اليوم القفزة الهائلة في التقنية، وتقديم معظم الخدمات للمواطن والمقيم، وهو في بيته مع أسرته، حتى تلك الخدمات التي تتطلب الحصول على مستندات مثل الجواز أو الإقامة أو شريحة الهاتف تصل بكل سرعة إلى صاحبها في مكتبه أو منزله.