د.عيد بن حجيج الفايدي
الهدنة في زمن النزاعات وتوقف العدوان وقرع طبول الحرب ليست مجرد استراحة للمحارب، بل هما فرصة ثمينة للمراجعة والتقييم وإعادة قراءة الواقع بعيون الحكمة لا الانفعال، ومن هنا تبرز ضرورة مراجعة الدلالات والمسميات، وعلى رأسها تحويل اسم هذا الممر الحيوي من «مضيق هرمز» إلى «مضيق الطاقة»، في اعتراف صريح بهويته الوظيفية التي تحكم مصير العالم المعاصر. لم يكن هذا المضيق مجرد ممر مائي عابر في ذاكرة الجغرافيا، بل كان مرآة لتقلبات الحضارة والسلطة والتجارة؛ فاسمه الذي تعددت رواياته بين «هرمز» الفارسية و»أورموز» اليونانية و»جرف» العربية و»مضيق عمان» أو «مضيق البحرين» وغير ذلك، يحمل في طياته إرثاً من التنافس على البوابة التي تصل الخليج العربي بالعالم الخارجي. من أيام السومريين الذين أبحروا نحو مليبار، وصولاً إلى الناقلات العملاقة اليوم، ظل هذا الشريط الضيق شاهداً على أن التحكم في الممرات أعمق من مجرد السيطرة على المياه، إنه التحكم في إيقاع الزمن الاقتصادي للبشرية، حيث لم تكن التسميات تاريخياً مجرد ترجمات بل محاولات لفرض رواية سياسية على شريان حيوي ظل محتفظاً بوظيفته كبوابة بين الشرق والغرب.
مع تطور النظام الاقتصادي العالمي، تعاظمت أهمية المضيق ليغدو الشريان الأهم للاقتصاد ونقطة الاختناق الأكثر حساسية، إذ يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية ونسبة هائلة من الغاز الطبيعي المسال، وهو ما جعل طبيعته الجغرافية الضيقة تمثل مفارقة حساسة؛ فما يمنحه القوة والفاعلية هو نفسه ما يجعله هشاً أمام أي اضطراب أمني. إن قدرة قوة بحرية صغيرة على شل خُمس إمدادات الطاقة العالمية أعاد تعريف مفهوم الردع، حيث أثبتت الأيام أن مجرد التلويح بإغلاقه كفيل بإحداث تقلبات فورية في الأسواق، مما يؤكد أن العالم بات محكوماً باقتصاد التوقعات والخوف من الانقطاع أكثر من منطق العرض والطلب . وفي حال حدوث هذا الانقطاع، فإن التداعيات تتجاوز حدود الطاقة لتتحول إلى أزمة اقتصادية شاملة؛ من انفجار أسعار النفط وموجات التضخم، وصولاً إلى شلل الصناعات الثقيلة واضطراب الأمن الغذائي العالمي، مما قد يدفع نحو تصعيد عسكري دولي يحول الأزمة من نزاع إقليمي إلى مواجهة عالمية شاملة تنهك موازنات الدول وتدمر خطط التنمية.
إن كل هذه المعطيات تفرض ضرورة منطقية لتبني اسم «مضيق الطاقة»، وهي تسمية تتجاوز البعد التاريخي لتعبر عن الواقع المعاصر لعدة مبررات جوهرية، تبدأ من أن وظيفة المضيق قد تطورت كلياً من ممر للبضائع والحرير والتوابل إلى كونه العصب الحيوي الذي لا ينبض بدونه جسد الاقتصاد الرقمي والصناعي الحديث، مروراً بحقيقة أن المضيق لم يعد يمثل جغرافيا محلية بل صار مرادفاً للأمن القومي العالمي بحيث أن أي نقاش حول الطاقة المتجددة أو البديلة يبدأ وينتهي بمدى استقرار هذا الممر، وصولاً إلى مفهوم الارتهان الجغرافي الذي يؤكد أن العالم رغم تقدمه التقني الهائل لا يزال أسيراً لعنق زجاجة واحد يحدد مصير استقرار الأمم، مما جعل حرية حركة النفط والغاز عبره مرادفة لحرية حركة التاريخ نفسه. وهكذا، فإن تسميته «بمضيق الطاقة» هي إقرار بحقيقة أن هرمز لم تعد مجرد مدينة قديمة، بل أصبحت بوابة الاستقرار أو الانهيار للنظام الدولي المعاصر، ومراجعة هذا الاسم في وقت السلم والهدنة هي خطوة نحو فهم أعمق لثقل المسؤولية التي يتحملها هذا الممر المائي تجاه الاقتصاد العالمي .. مع الدعاء أن يحفظ الله هذه المنطقة من الفتن والحروب.