صبحي شبانة
حين تسكت المدافع، ولو مؤقتًا، لا يعني ذلك أن الحرب انتهت، بل يعني أنها التقطت أنفاسها، وبين صمتٍ هشّ وضجيجٍ محتمل، تقف هدنة الأسبوعين كفاصل زمني ضيق، لكنها كثيفة بالمعاني، محمّلة بالأسئلة، ومفتوحة على كل الاحتمالات، إنها ليست سلامًا، ولا حربًا كاملة، بل لحظة معلّقة بينهما، تختبر النوايا بقدر ما تكشف حدود القدرة على التحول.
فالهدنة، في جوهرها، ليست قرارًا عسكريًا بقدر ما هي مؤشر سياسي، هي إعلان غير مباشر بأن الاستمرار في القتال لم يعد خيارًا مريحًا، وأن كلفة المواجهة بدأت تتجاوز حدود الاحتمال، لكنها في الوقت نفسه، لا تحمل ضمانات كافية للانتقال إلى سلام دائم، بل تظل أقرب إلى فرصة مؤجلة أكثر منها حسمًا نهائيًا.
وفي هذا الإطار، تصبح هدنة الاسبوعين أكثر من مجرد رقم، إنها اختبار مكثف لكل الأطراف، هل هي مستعدة لتحويل التهدئة إلى مسار سياسي؟ أم أنها ستتعامل معها كاستراحة محارب، يعاد بعدها إشعال الجبهات بوتيرة أشد؟
هنا تحديدًا، يتوقف مستقبل الصراع، لا على ما جرى في الماضي، بل على كيفية إدارة هذه الفترة الزمنية القصيرة.
التاريخ يخبرنا أن كثيرًا من الحروب لم تنتهِ بهدنة، بل بدأت بعدها جولات أكثر قسوة وضراوة لأن الهدنة التي لا تُبنى على تفاهمات واضحة، ولا تُصاحبها إرادة حقيقية للحل، تتحول إلى مجرد فاصل زمني، يعاد خلاله ترتيب الأوراق، وإعادة التموضع، واستعادة القدرة على القتال، ومن هنا، فإن خطورة هدنة الأسبوعين لا تكمن في مدتها الزمنية القصيرة، بل في إمكانية استغلالها بشكل خاطئ، غير أن الوجه الآخر لهذه الهدنة، يفتح بابًا مختلفًا، فحتى اللحظات المؤقتة، يمكن أن تتحول إلى نقاط انطلاق، إذا ما أُحسن استثمارها، وهنا، يبرز السؤال الجوهري، ماذا يمكن أن يُبنى في أسبوعين؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها ممكنة، ففي السياسة، لا تُقاس التحولات بطول الزمن، بل بعمق القرار وقوة الإرادة، قد تكون مدة هدنة الأسبوعين كافية لفتح قنوات تواصل جادة، أو لبدء مفاوضات غير مباشرة، أو حتى لوضع إطار أولي لاتفاق سلام أوسع، وقد تكون، في المقابل، مجرد وقت ضائع، إذا غابت الإرادة، وحضرت الحسابات الضيقة.
وفي خضم هذا التعقيد، تبرز الرؤية السعودية للسلام كأحد النماذج التي يمكن أن تمنح لهذه اللحظة معنى أعمق، فالمملكة العربية السعودية لم تتعامل يومًا مع التهدئة بوصفها غاية، بل كوسيلة لفتح أفقٍ أوسع، وهي، في مقاربتها للأزمات الإقليمية، تنطلق من مبدأ واضح، لا سلام دون معالجة الجذور، ولا استقرار دون توازن، ولا تنمية في ظل صراعات مفتوحة.
لقد أثبتت التجربة أن هذه الرؤية تقوم على معادلة دقيقة، حزمٌ في حماية الأمن، وانفتاحٌ على الحوار، فلا تهاون في مواجهة التهديدات، ولا اندفاع نحو مواجهات مفتوحة تستنزف الجميع، هذه الواقعية الحازمة هي ما يمنح أي هدنة فرصة للتحول إلى مسار، بدل أن تبقى مجرد لحظة عابرة.
ومن هذا المنطلق، فإن هدنة الأسبوعين يمكن أن تُقرأ كبارقة للأمل وطاقة للضوء، إذا ما تم توظيفها وفق منطقٍ عقلاني، يضع مصلحة الاستقرار فوق اعتبارات اللحظة، فالمملكة، التي دفعت باتجاه التهدئة في أكثر من ملف، تدرك أن المنطقة لم تعد تحتمل حروبًا طويلة، وأن الكلفة لم تعد محلية، بل تمتد لتطال الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، واستقرار الأسواق.
لكن السلام، كما تعيه هذه الرؤية، لا يبدأ من طاولة المفاوضات فقط، بل من إعادة تعريف العلاقة بين الأطراف، فالخصوم الثلاثة الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل وايران الذين خاضوا الحرب، مطالبون في لحظة الهدنة بأن يعيدوا النظر في تصوراتهم، وأن ينتقلوا من منطق كسر الإرادة إلى منطق إدارة الخلاف، هذا التحول رغم صعوبته هو الشرط الأول والاساسي لأي سلام حقيقي، غير أن التحدي الأكبر، لا يكمن في وقف إطلاق النار، بل في ما يليه، فالمجتمعات التي أنهكتها الحرب، لا تحتاج فقط إلى صمت السلاح، بل إلى استعادة الإحساس بالحياة، تحتاج إلى إعادة بناء الثقة، وإلى خطاب إعلامي مسؤول، لا يعيد إنتاج الكراهية، بل يفتح الطريق أمام المصالحة،
وهنا، يصبح للإعلام دور محوري، لا بوصفه ناقلًا للحدث، بل كصانعٍ للوعي، فإما أن يُبقي المجتمعات أسيرة روايات الحرب، أو أن يساعدها على الانتقال إلى سردية السلام، والفرق بين الاثنين هو فرق جوهري، هو الفرق بين هدنة مؤقتة، وسلام قابل للاستمرار.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هناك أطرافًا قد ترى في هذه الهدنة فرصة لإعادة التموضع، لا للبحث عن حل، وهنا تكمن خطورة الهدنة، لأن السلام لا يُبنى بنوايا مزدوجة، ولا يستمر في ظل حسابات قصيرة الأمد، لذلك فإن نجاح هدنة الأسبوعين يتوقف على مدى صدق الأطراف في التعامل معها، وعلى وجود ضمانات حقيقية تمنع الانزلاق مجددًا إلى المواجهة.
إن ما بعد الأسبوعين، هو الاختبار الحقيقي فإما أن تتحول الهدنة إلى مسار سياسي، يُبنى عليه تدريجيًا، أو أن تعود الحرب، وكأن شيئًا لم يكن، وبين هذين الاحتمالين، تقف الإرادة السياسية كعامل حاسم.
وفي عالمٍ لم تعد فيه الحروب معزولة عن تأثيراتها، يصبح السلام ضرورة، لا ترفًا، فالاضطرابات لم تعد حدودها الجغرافيا، بل تمتد لتؤثر في الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، واستقرار الدول، وعودة الشعوب الى الحياة الطبيعية، ومن هنا فإن هدنة الأسبوعين رغم مدتها القصيرة، يجب أن تُستثمر بأقصى قدر من الجدية.
في النهاية، يمكن القول إن هدنة الأسبوعين ليست مجرد محطة عابرة، بل لحظة اختبار كاشفة، اختبار لقدرة الأطراف الثلاثة على الانتقال من منطق الحرب إلى أفق السياسة، ومن إدارة الصراع إلى البحث عن حلول جذرية لحق الدماء ووقف الة الدمار والخراب
السؤال الذي سيظل معلقًا، هل تمتلك الأطراف الثلاثة الشجاعة لتحويل هدنة الأسبوعين من وقف الاقتتال إلى بداية طريق طويل وصادق نحو السلام؟، أم أننا سنكتفي باعتبارها استراحة محارب قصيرة قبل أن يعود كل شيء إلى ما كان عليه؟، ذلك هو الفارق بين هدنةٍ تُستهلك… وسلامٍ يُصنع.