د. عيسى محمد العميري
لم يكن المقيمون على أرض الخليج العربي طرفاً في صراعات السياسة ولا في حسابات الحروب، بل جاؤوا من شتى بقاع الأرض مدفوعين بأمل بسيط ومشروع: البحث عن لقمة العيش الكريمة، وتأمين حياة أفضل لأسرهم.
هؤلاء الذين تركوا أوطانهم خلفهم، وحملوا أحلامهم على أكتافهم، وجدوا أنفسهم اليوم في قلب دائرة الخطر، يواجهون تداعيات اعتداءات طالت الإنسان قبل المكان.
إن ما تعرضت له دول الخليج العربي من اعتداءات إيرانية لم يفرق بين مواطن ومقيم، ولم يميز بين من له علاقة بالصراع ومن لا ناقة له فيه ولا جمل، فحين تُستهدف المنشآت الحيوية، كالكهرباء والمياه، فإن الضرر لا يصيب الحكومات بقدر ما يصيب الإنسان البسيط الذي يعتمد على هذه المقومات الأساسية في حياته اليومية.
وحين تنقطع الكهرباء أو تتضرر مصادر المياه، فإن أول من يعاني هو العامل البسيط، والمقيم الذي خرج ليكسب رزقه بعرق جبينه.
وهنا يبرز التساؤل المشروع: هل يتفق هذا النهج مع القيم التي تدعيها إيران باسم الإسلام؟ فالإسلام، في جوهره، دين يحفظ النفس ويصونها، ويُعلي من شأن الإنسان، بغض النظر عن جنسيته أو انتمائه.
يقول الله تعالى: «ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»، ويقول أيضاً: «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً». فأين هذه المبادئ من استهداف منشآت حيوية تمس حياة الملايين، وتعرضهم للخطر والحرمان؟ إن الإضرار بمصادر الماء والكهرباء ليس مجرد عمل عسكري، بل هو مساس مباشر بحق الإنسان في الحياة الكريمة، بل وفي الحياة ذاتها.
فهذه المقومات ليست رفاهية، بل هي من أساسيات العيش التي لا غنى عنها. وتعمد ضربها يفتح باباً لمعاناة إنسانية لا يمكن تبريرها بأي ذريعة سياسية أو عسكرية. وما يزيد من فداحة المشهد أن المقيمين ومواطني دول الخليج العربي ليسوا طرفاً في النزاع الدائر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. إنهم أبرياء من هذه الحسابات، ولا يجوز أن يكونوا ضحايا لها. فالقانون الدولي، كما المبادئ الإنسانية والدينية، ترفض أن يُستهدف المدنيون أو تُلحق بهم الأذى نتيجة صراعات لا علاقة لهم بها. لقد احتضنت دول الخليج على مدى عقود ملايين المقيمين، ووفرت لهم فرص العمل والحياة الكريمة، فكانوا جزءاً من نسيجها الاقتصادي والاجتماعي. ومن غير المقبول أن يتحول هؤلاء إلى ضحايا لصراعات إقليمية، أو أن تُهدد حياتهم واستقرارهم بسبب سياسات لا تمثلهم ولا تعبر عنهم.
كما أن المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تفرض على الجميع، دولاً ومجتمعات، الوقوف في وجه مثل هذه الاعتداءات، والدعوة إلى تحييد المدنيين والبنية التحتية عن أي صراع. فالحروب، مهما كانت مبرراتها، يجب ألا تفقد إنسانيتها، وألا تتجاوز الخطوط التي تحمي الأبرياء. وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة: من جاء يبحث عن لقمة العيش لا يجب أن يدفع ثمن صراعات الآخرين، ومن يعيش بسلام لا ينبغي أن يُقابل بالأذى. وهذه ليست فقط مبادئ إنسانية، بل هي أيضاً جوهر الدين الذي يُفترض أن يكون رحمة للعالمين.
اللهم احفظ خليجنا آمناً مطمئناً. والله الموفق.
** **
- كاتب كويتي