د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
ويؤيد محمد عبدالله جبر مذهبه بأنّ قول سيبويه موافق لما عليه اللغات السامية، قال «ولا أدري أكان سيبويه على علم باللغات السامية أم لا، ويستوي الأمران في نتيجة واحدة هي أنه كان على صواب في رأيه حين جعل ذلك الضمير (ني). ويؤيد رأيه الرجوع إلى الضمائر في العبرية وأخواتها الساميات، فالملاحظة التي تلفت النظر أن ضمير النصب المتصل للمتكلم يتخذ صورة واحدة - لم يتح مثلها لضمير غيره - في العربية والحبشية والعبرية والآرامية والأشورية، فهو فيها جميعًا: (ني) ni-»(1). ولكن هذا لا يعني أنه هو الضمير في الأصل، وهذا ما نفهمه من قول بروكلمان نفسه، وهو المصدر الذي اعتمد عليه محمد عبدالله جبر، قال بروكلمان «يبدو أنه قد نشأت في السامية الأولى، إلى جانب الصيغة الأصلية للمتكلم، صيغة أخرى هي (I)؛ بسبب نوع آخر من النبر، ومن هذه الصيغة نشأت صيغة الضمير المتصل بالفعل (ni) بزيادة النون؛ منعًا لما يسمى: Hiatus، وهو التقاء حركتين»(2). وواضح أن الضمير هو الياء، وأن النون زيدت لتفصل بين الحركتين: حركة الفعل وحركة الكسرة قبل ياء المتكلم، وهذا ما عبر عنه النحويون بالوقاية.
واضطر محمد عبدالله جبر إلى التأويل في مسألة حذف نون الوقاية؛ لأنه عدّها ضميرًا فأراد أن يحتال لذلك، وقد صرح سيبويه بحذفها في قوله «فإن قلت: ما بال العرب قد قالت: إنّي وكأنّي ولعلّي ولكنّي؟ فإنه زعم أن هذه الحروف اجتمع فيها أنها كثيرة في كلامهم، وأنهم يستثقلون في كلامهم التضعيف، فلما كثر استعمالهم إيّاها مع تضعيف الحروف، حذفوا التي تلي الياء»(3). وقوله التي تلي الياء يعني نون الوقاية. قال محمد عبدالله جبر «ونستطيع أن نعدل تفسيرهم تعديلًا خفيفًا، ما دمنا قد رفضنا ما يسمى نون الوقاية، فنقول إنَّ الضمير (ني) باقٍ على أصله، وأن التخفيف حدث في نهاية الأحرف الأربعة الأولى [إنَّ، أنَّ، كأنَّ، لكنَّ]، وقد أشار إلى ذلك بعض النحاة، عبر عنهم السيوطي بقوله: آخرون»(4). ولكن حذفها أرجح، قال ابن يعيش «فعلمتَ بذلك أنَّ النون في (ضَرَبَنِي) ليست من الضمير في شيءٍ، وإنّما أُتي بها لأمر راجع إلى الفعل، وهو ما ذكرناه من حِراسةِ الأفعال من الكسر. وممّا يُؤيِّد عندك زيادتَها، وأنّها ليست من الاسم أنّك قد تحذِفها في نحو: (أنِّي) و(إنِّي). قال الله تعالى: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [46-طه]، فأتى بنون الوِقاية على الأصل، وقال: (إِنِّي أَنَا اللَّهُ) [14-القصص]، فحذف نون الوقاية. والذي يدلّ على أنّ المحذوف منها نونُ الوقاية أنّها قد حُذفت في أُخْتَيْها. قالوا: (لَعَلِّي)، و(لَيتِي). قال الله تعالى: (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى) [38-القصص]، وقال الشاعر [زيد الخيل]:
كمُنْيَةِ جابرٍ إذ قال لَيْتِي
أُصالِحُه وأَفْقِدُ بَعْضَ مَالِي
فالمحذوف هنا نون الوقاية غير ذي شَكّ، فثبت أنّ المحذوف في (إنِّي)، و(أنِّي) نون الوقاية»(5). وممن ذهب إلى حذف نون الوقاية ابن الحاجب قال «وقرأ نافع: (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) [54-الحجر] (وتُشَاقُّونَ فِيهِمْ) [27-النحل]. فالمحذوف نون الوقاية استغناء عنها بنون الإعراب، وهذا أولى من أن تقدر نون الإعراب محذوفة استغناء عنها بنون الوقاية، لأن نون الوقاية أمر استحساني لا دلالة لها، ونون الإعراب لمعنى. فإذا اجتمعا وقدر حذف أحدهما كان حذف ما لا دلالة له أولى»(6).
واضطر محمد عبدالله جبر، لتسلم نظريته، إلى شيء من التكلف في حذف نون الوقاية من (لعل) و(ليت) اللتين لا ينتهيان بنون مشددة، قال «وأما مع (لعلّ)، فالأمر أكثر تعقّدًا، وربما كان التخفيف أوّل الأمر في نهايتها ثم وقع إدغام اللام في (ني) فلم تتضح النون. وأما (ليت) فقد غلب في استعمالها أن تتصل بضمير النصب (ني) ولا أعرف مثالًا لحلول ضمير الجر محله سوى البيت المتقدم، والنحويون يمنعون ذلك في السعة ولا يجيزونه إلا في الضرورة الشعرية»(7). والحق أنه استعملت (ليتي) في عدد من النصوص في التراث منها:
قول ورقة بن نوفل(8):
فَيَا لَيْتِي إذَا ما كان ذَاكمْ
شَهِدْتُ فكنتُ أوَّلَهم وُلوجَا
وقول شملة بن مغيث(9):
أَلا ليتني أَنضيت عمري
وهل يجدي عليَّ اليوم ليتي
وقول الحارث بن هشام: «واثكلاه، ليتي متّ ولم أسمع نهيق ابن أم بلال على الكعبة»(10).
وقول أَبي الحسن بن البَرَاء(11):
شَكَوْتُ إِلى الغَوانِي ما أُلاقي
وَقُلْتُ لَهُنَّ يا لَيْتِي بَعيدُ
«وَقَول عَائِشَة رضي الله عنها يَا ليتي كنت ورقة من هَذِه الشَّجَرَة»(12).
وقول ابْن حَمَّاد الْبَصْرِيّ(13):
يَا ليتي مُنكر من كنت أعرفهُ
فلست أخْشَى إِذا من لَيْسَ يعرفنِي
وقول الشاعر(14):
ويا ليتي كنت ابن عشر وأربع
فلم أدْعُها بنتًا ولم تدْعُني عمّا
ويجدر بالذكر أن (ليتي) استمرّ استعمالها باطراد في اللغة المحكية اليوم.
والذي ننتهي إليه أن محمد عبدالله جبر لم يوفق في تفريقه بين الضميرين ضمير النصب المتصل للمتكلم وضمير الجر.
**__**__**__**__**__**
(1) الضمائر لمحمد عبدالله جبر، ص74.
(2) فقه اللغات السامية لكارل بركلمان، ترجمة: رمضان عبدالتواب، جامعة الرياض/ الرياض، ط1، 1397هـ/ 1977م. ص88.
(3) الكتاب لسيبويه، 2/ 369.
(4) الضمائر لمحمد عبدالله جبر، ص76. وانظر: همع الهوامع في شرح جمع الجوامع للسيوطي، 1/ 261.
(5) شرح المفصل لابن يعيش، 2/ 299.
(6) أمالي ابن الحاجب، 2/ 540.
(7) الضمائر لمحمد عبدالله جبر، ص76.
(8) سيرة ابن هشام - ت سعد، 1/ 177.
(9) المعمرون والوصايا لأبي حاتم السجستاني، ص94.
(10) أنساب الأشراف للبلاذري، ص356.
(11) الأضداد لابن الأنباري، ص331.
(12) التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، ص75.
(13) يتيمة الدهر للثعالبي، 3/ 482.
(14) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام، 6/ 577.