أ.د.أبو المعاطي الرمادي
ارتبط الميتا سرد بقصة ما بعد الحداثة الرافضة لعمود القص التقليدي، والساعية إلى نموذج قصصي مختلف يستطيع التعبير عن واقع الإنسان المعاصر بصدق فني. وهو متعدد الأشكال، فهناك ميتا سرد الكتابة، وميتا سرد المتلقي، وميتا سرد الشخصيات، وكلها تهتم بعملية إبداع النص وما يرتبط بهذه العملية من أحكام نقدية يطلقها النص على نفسه، وعلاقة الشخصيات بالمؤلف، وعلاقة المؤلف بالمتلقي الذي أصبح جزءًا من عملية إنشاء النص.
في ميتا سرد الكتابة تنشغل القصة بأمور ترتبط بعملية الإبداع، مثل: طرائق السرد، وآليات الكتابة القصصية، واصطياد الفكرة، وطبيعة الفكرة المناسبة للقصة القصيرة، وطقوس الإبداع التي تختلف من مبدع لآخر، والأسس النفسية للعملية الإبداعية وما يرتبط بها من أسئلة عن الإلهام والصنعة، ومناقشة النص وإصدار الأحكام النقدية عليه أو على عنصر من عناصر تكوينه، ما يجعل النص القصصي محور الإبداع نفسه، فينعكس على ذاته، وتتغير الأسئلة المطروحة على النص، والمطروحة منه على الواقع، إضافة إلى أنه يجعل المبدع والمتلقي - كما تقول هيى ساوما: «شخوصًا في النص». وفي ذلك تحطيم لأفكار نقدية كانت تنظر للمؤلف والمتلقي على أنهما شخصيتان وهميتان، الأول لا يبرح الغلاف تاركًا مهامه للراوي، والثاني يتخيله الراوي لضمان إقناع المادة الحكائية عقلية المتلقي.
حضر ميتا سرد الكتابة في بعض القصص القصيرة السعودية حضورًا جليًا؛ فيهتم إبراهيم مضواح الألمعي في قصته (كلمات هاربة) ضمن مجموعته (فتاة الفراشات)، الصادرة عن النادي الأدبي بالرياض، 2015م، بطقوس الكتابة «فنجان القهوة، الضوء الهادئ، سكون الثلث الأخير من الليل، القلم المسترخي فوق الأوراق»، ومعاناة الإمساك بجملة البداية التي ينساب بعدها الحكي «الجملة الأولى هي العتبة التي يلج منها بتوجس، ثم يركض خلف سن القلم»، ونفْس المبدع الساعية إلى النص المثالي «يتوقف رغم جماح قلمه، يعود إلى السطور الخمسة التي نزت من قلمه على وجه الصفحة البيضاء»، ولحظات ألم ضياع الفكرة، وهروب الكلمات «تختفي الكلمة، الكلمات، الجمل، السطور الخمسة، يبحث عنها بين أوراقه فلا يجدها، يبعثر الأشياء على مكتبه غير المنظم، تنسكب القهوة، لا يكترث بما فعلته بأوراقه».
وهو اهتمام الغرض منه محاولة كشف علاقة الكاتب بذاته المبدعة (مزاجه، مخاوفه، مصادر إلهامه، تعامله مع القلق الإبداعي). وهي ذات يشاركه القارئ ملكيتها، وكشفها أمامه أصبح ضرورة لفهم المغزى من وراء العديد من الأعمال الإبداعية التي لا تعطي فكرتها للقارئ بسهولة؛ لانفتاحها على ثقافات متعددة وأيديولوجيات قد تكون متناقضة أحيانًا. والطقوس بذلك لن تكون مجرد عادات ملازمة لعملية الإبداع، بل ستكون جزءًا من البنية العميقة للنص الذي لا يمكن فهمه بعيدًا عنها.
ويحضر ميتا سرد الكتابة -أيضًا- في قصة عادل الحسين (البحث عن عنوان) ضمن مجموعته (لحظة فراغ)، الصادرة عن دار المفردات، 2015م؛ فيقف على طقوس الكتابة عند القاصة (غادة) بطلة قصته». تمارس هوايتها في كتابة القصة القصيرة كلما سنحت لها الفرصة في أيام الخميس، وعلى حرصها على أدوات الكتابة التقليدية «ما زالت غادة تعشق الكتابة على الورق، لم تؤثر طفرة الحاسوب على أسلوبها التقليدي في الكتابة»، ويناقش من خلال الحوار بين (غادة) وبنت أفكارها (نبراس)، الشخصية الثانية في القصة، قضيتي الالتزام في الأدب والفن للفن «أحاول كتابة قصة خالية من مشكلة اجتماعية. وصعبة الفهم على القارئ. وبأسلوب أدبي معقد وملتو ومراوغ وألا تكون مطية لأفكار أود تمريرها إلى القراء. أريد أن أتفادى المشكلات الاجتماعية حتى لا تتحول القصة إلى ساحة صراع اجتماعي يذهب بجمال القصة الأدبي، لكنني لم أفلح في ذلك؛ فالمشكلات الاجتماعية متغلغلة في حياتنا اليومية حتى النخاع»، والعلاقة بين الإبداع والنقد، وأيهما يوجه الآخر، «بعض النقاد لا يروق لهم ما أكتب»، والسؤال المهم لمن يكتب الكاتب، للناقد أم للقارئ؟ «وهل تكتبين للنقاد؟ إن كان كذلك فلم النشر باستخدام وسائل النشر العامة؟ إذن اتركيها جنبًا وأرسلي ما تكتبين إلى النقاد كي يعطوك صك القبول؟ أهذا ما تطمحين إليه؟ أتريدين أن تهمشي رأي القراء؟»، ويناقش تقنية القصة الحوارية، وهل الحوار يكفي لصناعة قصة ذات حبكة «يا ترى هل يصلح هذا الحوار أن يكون قصة؟ لم لا؟ لكنه يخلو من الحبكة والعقدة والتشويق والشخوص؟ أنت وأنا ألسنا شخوصًا؟»، ونقد المنتديات/ النص الفوقي، حيث انطباعات الجمهور عن العمل الأدبي، وهل يكتفي الكاتب به أم أن دور الناقد لا يمكن غض الطرف عنه؟ «إذن أنزليها في المنتدى الثقافي لنرى ما سوف يقوله القراء؛ فالقراء هم الحكم».
وفي قصة (فكرة) من المجموعة نفسها يناقش الحسين عبر تقنية الميتا سرد قضية الجنس الأدبي الذي يصب فيه الأديب فكرته، وقضية تحفيز الملكات الإبداعية حتى لا تتوقف عجلة الإنتاج الأدبي، وقضية العلاقة بين الفكرة واللغة «أفكار متلاطمة تدور في خلده، بين الشعر والخاطرة والقصة. تمتم مع نفسه: لكن يا ترى ما عسى أن أكتب؟ هل أكتب شعرًا؟ بدأ بالطقطقة على المفاتيح مدندنًا سيدتي يا من إليك مال قلبي بالعجل/ رفقًا بقلب بالهوى قد زاد وجدًا وانشغل. بعده وجد نفسه حائرًا تدور حدقتا عينيه علهما تريان في مخيخه كلمات ينسجها شعرًا لكن دون جدوى. تمتم: أظن أن الخاطرة أكثر انسجامًا مع هذه الأجواء؛ فالشعر يحتاج هدوءًا أكثر كي أركز على أبجدياته من أوزان ودندنة وبحث عن قافية تبنى هيكل القصيدة في تناسق تام. بدأ بالطقطقة على المفاتيح مرة أخرى كاتبًا حبيبتي بلسم روحي/ وحرفك الحاني يدغدغ نبض قلبي/ توقفت أصابعه عن الطقطقة. أومأ إليها لتسترسل لكن دون جدوى. الكلمات لا تسعفه في شحذ همم أصابعه. عندها تمتم في داخله: أظن أن القصة أكثر انسجاما... بدأ يفكر ويفكر هل يكتب للصغار أم للكبار أم للمراهقين، أم، أم؟ ردت عليه عصفورته: عزيزي إن لم تكن الفكرة حاضرة في ذهنك فلن تكتب شيئا؛ لأن الفكرة هي من تخلق الكلمات وليس العكس».
إن وقوف الحسين على هذه القضايا النقدية المرتبطة بعملية الإبداع في قصتيه حولهما من مجرد حكايتين أدبيتين إلى مساحة سردية للتفكير، وفتح بها أمام القارئ مستويات قراءة متعددة تخالف القراءات التقليدية، قراءات عن علاقة النص بسياقه الثقافي، وآليات التوتر الفكري داخل السرد، وعن المبدع وعملية الإبداع، كما أنه -بوقوفه عليها- غير مفهوم القاص الذي لم يعد راوي الأحداث الشيقة الجاذبة انتباه المتلقي، وأصبح ناقدًا يفكر في أدواته، ولغته، وشكل نصه.
ويحضر -كذلك- في قصة أحمد الحقيل (كيف تكتب قصة اعتباطية تؤدي إلى سارماجو)، المنشورة بموقع (انطولوجيا)؛ فالسارد يحدد للمتلقي أساسيات صناعة الشخصية الروائية من خلال حديثه عن الشخصية (فاروق) التي اختارها شخصية رئيسة في قصته، وأهمها عدم ترك عملية تطور الشخصية للارتجال الكتابي، وتحديد الخطوط العريضة لطبيعتها ومراحل تطورها داخل المتخيل، ومكان كل مرحلة، والصورة النهائية التي ستكون عليها في نهاية الحكي، قبل عملية الكتابة؛ حتى لا تنفرد الشخصية بإيقاعها الخاص، ويفقد الكاتب السيطرة عليها. « فاروق يكتمل شيئًا فشيئًا كشخصية، وهو أمر خطير، حيث إنني لم أخطط لذلك، ولذا لم أشرف على تطوره لأسيطر عليه. إن هذا احتمال خطير في حرفة الكتابة، أن تنفرد شخصياتك شيئًا فشيئًا بإيقاعها الخاص إثر السياق الارتجالي الذي تكتبه، وهو ما يصنع الروايات الرديئة، أو أحيانًا الروايات العبقرية، حينما تسيطر الشخصية على كاتبها وليس العكس. يجب أن تكون حذرًا دائمًا».
والاهتمام بعملية صناعة الشخصية الورقية، والوقوف أمام ما يجب الاهتمام به حتى لا تنفرد بإيقاعها ويصعب السيطرة عليها داخل المتخيل تأكيد على أن الشخصية داخل العمل شخصية مصنوعة، وأن تشابهها مع شخصيات في الواقع مجرد صدفة، وهو تأكيد يحدد (الورقية) مولجًا وحيدًا لعوالم الشخصيات القصصية، التي اعتاد قارئ القص التقليدي على النظر إليها على أنها شخصيات واقعية حقيقية، وبناء رؤاه النقدية على أسس واقعيتها، وتأكيد -كذلك- على أن كل تفصيلة من تفصيلات النص الأدبي ابنة وعي فني وصنعة دقيقة. وهي أمور -مجتمعة- تحول القارئ من مستهلك للنص إلى مشارك في عملية صناعته، وتغير شكل تلقيه للنص.
ويتخذ ميتا سرد الكتابة شكلًا آخر في قصة (رواية لم تكتمل) لمحمد المزيني، ضمن مجموعته (سفر الخطايا)؛ فالسارد يخطط لكتابة رواية غارقة في الواقعية «قررت أن أكتب رواية. لن أختلق شخوصها، ولن أقدر أحداثها تقديرًا. أريدها أن تكون ابنة للواقع، شرعية الوجود»، من أجل ذلك بحث عن شخوص ابتلعتها ذاكرته «طفا منها صباح وفوزية وعلي وعمته بدرية»؛ فحياتهم صالحة لأن تصنع عملًا روائيًا واقعيًا. ولأنها شخصيات قابعة في ذاكرته، راح يبين تصارع الشخصيات داخل نفس الروائي في أثناء عملية الكتابة، ومحاولة كل واحدة الإمساك بزمام الحكي «بدأت أكتب. كتبت تقريبًا مئة ورقة أو أكثر، تركت لصباح منصة الحكي، وبينما أنا أغذ السير منتهجًا الخط الذي رسمته لحبكة الرواية، سمعت أنينًا يخلب المخيلة إليه، كانت ذاتها فوزية ألفيتها معبأة بالحكايات وقلبها متشح بالمعاناة، قصت ما أرادت البوح به، ابتداءً صبت لعناتها على أخيها سفر الذي سلبها أنوثتها، وأحالها إلى كتلة لحم جوفاء؛ بتزويجها من رجل لا يعرف من كينونتها سوى جسدها»، ومن شدة مصداقيتها كره شخصية (سفر).
لقد غير ميتا سرد الكتابة مفهوم القصة، فلم تعد، -كما يقول الطاهر مكي- «حكاية أدبية تدرك لتقص... حول جانب من الحياة، لا في واقعها العادي المنطقي، وإنما طبقًا لنظرة مثالية ورمزية» تعالج قضية اجتماعية أو ذاتية من وجهة نظر المبدع الذي يقدم الحلول للقارئ، أو يكتفي بوضعه في مواجهة قضاياه، وأصبحت الحكاية التي يركز فيها القاص على «ذاته المهووسة بشهوة الإبداع وحرقته» كما يقول جميل حمداوي، وتحولت إلى شبه نص نقدي يهتم بعملية الإنشاء الكتابي. وهو تحول مادام يحافظ على عناصر القصة لا يضرها، بل يحلق بها في سماوات حكائية أخرى غير تقليدية، وهي منطقة حكائية لها جمهور لم تهتم به القصة التقليدية على مدار عقود، إضافة إلى أنه ربط بين القصة والنقد بروابط وثيقة، وجعل القصة صورة مكتوبة لعقلية الإنسان المعاصر الباحثة عن إجابات لأسئلة متجددة ولدتها طبيعة العصر.
** **
- جامعة الملك سعود