سليم السوطاني
منذ صغري وأنا مولع بتأمّل الصور؛ أتوقّف طويلًا عند كل صورة أشاهدها، وأتخيّلها تنبض بالحياة، حافلةً بإيحاءاتٍ ودلالاتٍ ناطقة. أحاول اكتشاف ما تخبرني به، فتسحرني بما تختزنه من مشاهد حية كما أشعر به. وقد كبرتْ هذه العادة معي، وما زلت حتى الآن أقف عند بعض الصور، فأشعر بعمقها وحيويّتها.
ما دعاني إلى كتابة هذه المقالة هو طفرة وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيّما التطبيقات التي تُعنى بتوثيق اللحظات عبر التقاط الصور، فقد باتت الصورة في عصرنا تمثّل قيمةً كبرى في حفظ تفاصيل الحياة وزيارات الأمكنة، وانعكس ذلك على أهمية عدسة المصوّر وبراعته في تقديم مشهد لافت بأسلوب مختلف.
ومن يقرأ في اللغة كثيرًا يدرك أنّها ليست حكرًا على الكلمات المنطوقة، بل تمتدّ إلى اللغة البصريّة عبر الإشارات والصور؛ فهي أيضًا تنتج معنىً ودلالة؛ إذ يتسرّب إلى داخل الصورة وجه إنسان، أو ملامح مكان، أو طبيعة خلّابة، فتتكوّن دلالة عميقة لدى المتأمّل، تكشف عما وراء الصورة من معنى كامن.
ولو عدنا إلى علم السيميائيات لوجدنا فيه اتساعًا في هذا المجال، وكيف تستطيع الصورة أن تنتج المعنى عبر منظومة من العلامات، تُفضي بالمتلقي إلى تصوّر ما تخبره به.
ومن خلال الصورة يستطيع الإنسان أن يوثّق لحظات الفرح في حياته، ومع دوران عجلة الزمن، يعود إليها ليستدعي الذكريات، ويعيش اللحظات التي مضت، وربما خامره الشعور نفسه الذي انتابه ساعة التقاطها.
وفي زمنٍ صار فيه الإنسان يعتمد على التقنيات، ويقضي جلّ وقته أمام شاشته، قَلَّ «الحكّاؤون» الذين كانوا يملؤون المجالس بسرد حكايات الماضي، وينقلونها بأسلوبٍ شائق إلى الأجيال.
لكلّ زمنٍ حاضره، لكنّه يحتاج أيضًا إلى ما يربطه بماضيه، وما أخشاه أن يجفّ معين الفنّ الروائي مع تقادم الأعوام، وانشغال الناس بأجهزتهم.
غير أنّنا، في المقابل، نشهد ظاهرة لافتة، هي ازدهار التصوير وتوثيق اللحظات؛ إذ تتدفّق صور الأماكن والأحداث يوميًّا من شتّى أنحاء العالم، فيجد المشاهد فيها متعة بصريّة. ومن هنا قد تنبثق فكرة العمل الروائي من صورة: من ملامح وجه، أو من تفصيلٍ في بناءٍ قديم… ومع تقليب الصور تتشكّل الأحداث، ويكتمل بناؤها في ذهن الكاتب.
فبعض الصور، من خلال زاوية التقاطها وإطارها وما تحتضنه من عناصر، توحي بحكاية كامنة في المشهد، يتشكّل منها معنى وحدث جدير بأن يُروى.
لذلك، ينبغي للإنسان أن يتفاعل مع ثورة وسائل التواصل بوعي وواقعيّة، وأن يُحسن توظيفها في مجاله الإبداعي، فيسخّرها لخدمة أفكاره وتأمّلاته، وإنتاج المعنى الذي ينشده.