د.حسن مشهور
عندما كنا صغارًا نتلقى علومنا على مقاعد الدرس كانت هناك مادة مقررة على كل صف دراسي، وأعتقد بأنه في الأغلب لم يكن لها خطة مقننة وإنما كانت ترسل للمعلم جملةً من المواضيع، ومن ثم تترك له عملية تخير مايراه مناسبًا منها ليطلب منا كطلاب الكتابة فيه. وهذه المادة التي كانت حينئذ تسمى مادة «التعبير» هي من صنعت لاحقًا الناقد والروائي والقاص والشاعر في الساحة الأدبية السعودية.
ومع تتالي الأعوام فقد ركزت وزارة التعليم لدينا بالمملكة العربية السعودية على مواد التعليم العلمية، لرغبتها في أن يكون لدينا في المستقبل العالم والمخترع، وهذا أمر جيد إلى حد كبير، إلا أن أبرز الدراسات التي نشرت حديثًا في حقل البيداغوجيا التعليمية قد أشارت إلى أهمية التوازي في تدريس المواد الأدبية إلى جانب المواد العلمية، وذلك لكون المواد الأدبية تفتح مجالات للخيال والتفكير الفلسفي الذي يقود بدوره الإنسان إلى ارتياد مجالات التفكير الخلاق بما يتولد عنه من منجز ومختَرَع علمي يضيف للبشرية الجديد والحديث بما يكون فيه خير ورفاهية الإنسان.
ومرحليًا، فإنه في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، فأن وظيفة المدرسة لم تعد مجرد فضاء لتلقين المعارف التقليدية، وإنما قد غدت مطالبة بصناعة الإنسان القادر على التفكير، والتعبير، والابتكار، ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إدراج تعليم آلية كتابة فنون السرد كالرواية والقصة ضمن مناهج التعليم العام، ويتم ذلك بوصفه مدخلًا تربويًا وثقافيًا يعزز مهارات التفكير العميق، ويصقل القدرة على التعبير، ويؤسس لوعي إنساني متوازن.
خاصة في ظل إدراكنا بأن فنون السرد ليست نوعًا من الترف الأدبي كما قد يتصور البعض، وإنما هي أداة معرفية بالغة الأهمية، تتمثل في حقيقة أن الطالب الذي يتعلم كيف يبني قصة، ويطور شخصيات العمل السردي، ويربط بين أحداثه، إنما هو يتدرب في الوقت ذاته على مهارات التحليل، والتركيب، والتخيل المنطقي، وذلك لكون هذه المهارات تتجاوز حدود الأدب، لتلامس مجالات الحياة كافة، انطلاقًا من اتخاذ القرار، ووصولًا إلى حل المشكلات.
هذا إلى جانب، أن عملية تدريس كتابة الرواية والقصة والسرديات الأخرى على عمومها، يسهم بشكل دراماتيكي في تنمية الذكاء الوجداني لدى الدارسين، وذلك من خلال وضعهم في الغالب في مواقف إنسانية متعددة، وجعلهم يعيشون تجارب الآخرين من الداخل، وهذا الأمر بدوره يعمل على تعزيز قيم التعاطف، والتسامح، وفهم الاختلاف لديهم، وهي قيم يحتاجها المجتمع في الوقت الراهن أكثر من أي وقت قد مضى.
وأذكر جيدًا بأني قد قرأت ذات يوم، بأن تمكين الطلبة من أدوات الكتابة السردية يمنحهم بالتالي صوتًا للتعبير عن ذواتهم وقضاياهم التي ترتبط بمراحلهم العمرية المتعددة. وذلك لكون الكثير من الطاقات الإبداعية تظل كامنة لدى أبنائنا الطلاب جراء غياب التوجيه والتأطير، بينما يمكن للمدرسة أن تكون الحاضنة الأولى لاكتشاف الموهوبين وصقلهم، وربما إعداد جيل جديد من الكتّاب الذين يعبرون عن واقعهم بلغة معاصرة.
فالعالم اليوم يشهد ازدهارًا كبيرًا في الصناعات الإبداعية، التي تقوم في جوهرها على السرد، سواء في الأدب، أو الإعلام الرقمي، أو الصناعة السينمائية وعليه فإن العمل على تعليم الكتابة القصصية لا يخدم الجانب الثقافي فقط، بل يفتح آفاقًا مهنية مستقبلية أمام الطلبة، تتماشى مع اقتصاد المعرفة الناشئ والحديث. ومن الأهمية بمكان إدراك أن العمل على إدراج هذا النوع من التعليم في مدارس تعليمنا العام السعودي، لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية، بل يمكن أن يبدأ بشكل تدريجي عبر استحداث حصة للتعبير، أو جعله بشكل مبدئي من ضمن المحتوى التعليمي في الأنشطة اللاصفية، أو حتى ضمن المسابقات الأدبية التي تضطلع بتنفيذها المدارس. فالأمر المهم في تقديري، يتمثل في وجود قناعة تربوية لدى صانع القرار بوزارة التعليم بأن الإبداع مهارة يمكن تعلمها وتنميتها، وليست مجرد موهبة فطرية حكرًا على قلة من الأفراد، وبأن تعليم كتابة الرواية والقصة في مدارسنا ليس مجرد إضافة منهجية، بل هو استثمار في الإنسان، وفي قدرته على فهم ذاته وعالمه. فالأمة القادرة على أن تروي قصصها بوعي، هي الأقدر على صناعة مستقبلها وبناء مجدها الحضاري.