عبدالله العولقي
يتعجّبُ القارئُ أثناءَ قراءاته النقديّة منْ تشابه أحوال بعض المبدعين مع بعضهم، وقدْ تحدّثنا في مقال جوستاف فلوبير عنْ تقاطعات سيرته مع الكاتب الروسي فيودور ديستويفسكي.
وفي هذا المقال سنتحدّث عنْ تقاطعات السيرة بين عملاقين منْ عمالقة الفكر الإنساني، الفيلسوف الإغريقي سقراط الذي عاش في العصور القديمة قبل الميلاد، والأديب العربي عمرو بن بحر الجاحظ الذي عاش في العصر العباسي، ونبدأ حديثنا بمفارقة الشكل والجوهر، وأعني قباحة المنظر ودمامة الهيئة الخارجية للشخصيّة مقابل جمال الروح وبهاء الفكر والعلم في الهيئة الداخليّة لها، وربّما تكون هذه المفارقة عند الشخصيّتين قد خلقت في أعماقهما فنّ الشخصيّة الساخرة، كما سنرى في هذا المقال، فلطالما تنمّر حسادُ سقراط وأعداؤه بأنّ وجهه قبيح وأنفه كبير، ولكنّ سقراط لمْ يعبأ بهمْ أبداً، فقدْ كانَ يقبعُ بداخله أعظم مفكر عرفته البشريّة في ذلك العهد القديم، لقدْ طوّقت شهرته أثينا في القرن الخامس قبلَ الميلاد، فيُحكى في الأدبيّات الإغريقيّة أنّ خصوم سقراط كانوا يسخرون منْ قباحة منظره ويهزؤون من بشاعة هيئته، وذات مرةٍ أوعزوا إلى أحد الكتّاب المسرحيين أنْ يكتب مسرحيّة يكون بطلها سقراط! بهيئته وشخصه، وأحضروا ممثلاً بارعاً لتجسيد شخصيّته، فلمّا أُعلن عنْ عرضها على المسرح، تفاجأوا أنّ سقراط كان أوّل الحاضرين، والعجيب أنّه كان أكثرُ الضاحكين منْ شخصيّة الممثل الذي كان يشبهه تماماً، والذي أتقن دوره بإبداع شديد، وقد زادت دهشة هؤلاء الحاقدين حينما تقدّم بنفسه لتهنئة المؤلف والمخرج والممثل! بلْ وشكرهم بنفسه! وقد ارتسمت علامة الرضا على وجهه، وعند انصرافه من المسرح قال للحضور عبارته الشهيرة: لقد زدّتموني معرفة بنفسي، فلنْ يكون الإنسانُ إنساناً إنْ لمْ يعرفْ نفسه على حقيقتها!
أمّا الجاحظ فلمْ يكنْ أقلّ منْ سقراط في فن السخريّة حتى ولو كانت على حساب ذاته! فقد عُرف في الأوساط الأدبيّة بأسلوبه الساخر والتهكّمي من كلّ شيءٍ حوله، سواءً من المجتمع أو حتّى من نفسه! وهو بذلك يشبه أسلوب سقراط في محاورة خصومه، فها هو يروي بنفسه حكاية ظريفة عندما استوقفته امرأة في أحد أسواق بغداد وأشارت إليه أمام صائغ قائلة: مثل هذا! واختفت في زحام السوق، ولمّا استفسر الجاحظ من الصائغ عمّا فعلت تلك السيدة، أجاب: لقد طلبت مني أنْ أصنع لها قلادة وأنقش عليها صورة الشيطان، وقلت لها أنني لم أرَ الشيطان في حياتي!، فعادتْ بك لتقول ما سمعت! فضحك الجاحظ من كل قلبه على طرافة الموقف! وقد ظلّ يروي هذي القصة ويكرّرها في مجالسه وكتبه! فكان يجد متعة ذاتيّة لمعرفة شخصيّته في نظر الناس، كما ظلّ يحكي قصة شبيهة أخرى فيقول: ذُكرتُ في مجلس الخليفة المتوكل لأُعَلِّم أولاده، فلما حضرتُ عنده، استبشع منظري، فأَمَرَ لِي بعشرة آلاف دينار، وصرفني!
وسننتقل بعد ذلك إلى علاقة الشخصيّتين بالمرأة، فكلاهما لديه علاقة مضطربة مع كائن الأنثى ولكنْ بصورةٍ مختلفة، فالجاحظ كان كارهاً للارتباط بالمرأة ولذا نجده لمْ يتزوج أبداً، وقضى عمره الطويل الذي امتدّ إلى التسعين عاماً مخلصاً لحياة العزوبيّة! أمّا نظيره الإغريقي فله مأساة صعبة مع المرأة، فقد ابتلي الفيلسوف العظيم بزوجةٍ ساذجةٍ لا تعرف معنى الإبداع، ولا تدرك قيمة الفكر والفلسفة، والأدهى والأمر أنها لا تعرفُ حتّى قيمة زوجها! فلمْ تكنْ تدري منْ هو سقراط؟ فقد كانت امرأة عاديّة، ويصحُّ أنْ نقول إنّها أقلّ منْ عاديّة، فلمْ يكنْ همّها إلا أنْ تجتمع مع رفيقاتها كل يوم، ويثرثرن في كلّ شيء! ويتحدثن عنْ كل شيء! دون أيّ إدراكٍ لقيمة الوقت، فقد كانت زوجته تستقبلُ النساء من الصباح حتّى المساء لتشبع رغبتها في الثرثرة المتجدّدة في أعماقها، كما كانت تسكبُ جردل الماء فوق رأس زوجها ليصحو باكراً ويخرج لشراء ما تحتاجه لضيافة زميلاتها! فكان الفيلسوفُ العظيم يخرج منْ بيته فجراً للسوق حتّى يشتري طلبات البيت ثمّ يعودُ إلى منزله ويجلسُ في فناء الدار ليستقبل طلابه ومريديه ويلقي عليهم دروسه، ويقال إنّها ذات يومٍ وبينما سقراط منهمك في إلقاء محاضرته أخذ صوتها يعلو ويعلو حتّى ينتبه لوجودها! ولكنْ دون جدوى! فالأستاذ غارق في بحر العلم، وفجأةً وإذْ بجردل الماء ينسكبُ على رأس سقراط وسط اندهاش الحضور! لقد انتظر التلاميذ والناس كيف ستكون ردّة فعل الأستاذ تجاه هذا السلوك الأرعن الذي أبدته زوجته! وإذ به هادئاً حكيماً كعادته! فقد بدأ ينشّف الماءَ منْ على رأسه ووجهه ثمّ يتوجّه إلى الحضور وقد ارتسمت على محيّاه ابتسامة ساخرة، ثمّ يقول: لا بدّ بعد كل هذه الرعود أنْ يهطل المطر!.
لقد كان سقراط مثلاً أعلى للصبر، فرغم كل هذا العناء والمشقة في حياة سقراط الزوجيّة إلا إنّه كان ينصح الشباب بالزواج لأن ذلك يتوافق مع الفطرة والغريزة الإنسانيّة! وكان يُفلسف هذه الرؤية بأسلوبه الساخر فيقول: إنْ كانت الزوجة صالحة فقدْ عاشَ الرجلُ في سكينةٍ وهدوء، وإنْ كانت مثل زوجة سقراط، فقد أصبح الرجلُ فيلسوفاً!
ونختم حديثنا بخاتمة العملاقين، حيث تتشابه نهايتهما بذلك العشق اللامتناهي للعلم والمعرفة وحتّى اللحظة الأخيرة من الحياة! فقد أصيب الجاحظ في آخر حياته بمرض الشلل الذي أقعده عاجزاً عن الحركة! فتقول الرواية أنّ نهاية الجاحظ وقعت عندما قارب عمره التسعين وكانَ يحاولُ بصعوبةٍ أنْ يصلَ إلى كتابٍ عالٍ في مكتبته! وعندها حدثت الفاجعة الأليمة حينما سقطت المجلدات الضخمة وأكوام الكتب عليه فقتلت المثقف العجوز! لقد لقّب المؤرخون الجاحظ بشهيد الكتب، وقال عنه آخرون شهيد المعرفة! لقدْ ظلّ الجاحظ ميتاً تحت ركام العلم حتى افتقده الناس! وعندما اقتحموا منزله وجدوا جثمانه راقداً بين رزم الكتب والمجلدات! هكذا انتهت حياة أحد أعظم الأدباء والمفكرين في تاريخ الأدب العربي.
أمّا سقراط فكانت نهايته تشبه نهاية الجاحظ من حيث رابط العلم وعامل المعرفة، ولكن بصورةٍ دراميّة أخرى! فلعلّ أهمّ ما في سيرة سقراط نهايته الأليمة عندما حكمت عليه محكمة أثينا بالإعدام نتيجة إصراره على قيم الحكمة والمعرفة!
لقدْ كان سقراط بارعاً في فنّ الجدال المنطقي، وكان دائم الانتصار في معاركه الكلاميّة، وبعد سلسلةٍ طويلةٍ من معارك الجدال أصبح سقراط رجل المعرفة الأول في أثينا! وبدأ نجمه يسطع في سماء بلاد الإغريق، وشرع الآباء يرسلون أبناءهم إلى منزله منْ أجل أنْ يستضيئوا بنور الحكمة السقراطيّة في ذلك الوقت، وهكذا بدأ الفيلسوف الحكيم ينال حظوة اجتماعيّة في المشهد الإغريقي، وبالتالي أصبح هذا التميّز الإبداعي يقابله تيّار حاقد عليه! وهذه منْ مآسي المبدعين في كلّ زمانٍ ومكان، فعندما ينشأ التميّز يتولّد ضدّه الحسد كعلاقة طرديّة في ظلّ هذه المتلازمة الثنائية، وهنا لفتة انسانيّة مهمّة تجاه هذه النفس المبدعة، بمعنى أنّها قدْ تعرف كيف تتعامل مع هذه المتلازمة وقدْ لا تعرف! فأحياناً يتفهّم المتميّز خبايا هذه المتلازمة البشريّة فيعرف كيف يتصرف معها؟ وأحياناً أخرى قدْ يفقد البوصلة! فيضطرب سلوكه في التعامل معها مثلما رأينا في حالة أبي الطيب المتنبي عندما كان الرقم الأول في مجلس سيف الدولة فتشكّلت تجاه موهبته الخطيرة زمرة من الشخصيّات الحاقدة عليه، ولعلّ رائعته الأخيرة في المجلس (واحرّ قلباه ممن قلبه شبم) تضجُّ بهذا الإضطراب النفسي الذي انتهى برحيل الشاعر ومغادرته بلا رجعة!
وهذا الإرتباك نجده أيضاً في حالة سقراط ولكن بصورةٍ أخرى، فعلى الرغم من مكانته العلميّةّ وثقافته العالية إلا إنّه لمْ يكنْ يدرك أيضاً خبايا هذه المتلازمة البشريّة، وبالتالي لمْ يحسنْ التصرف معها، فعندما تورّط في جدالٍ فلسفيٍّ مع أحد أثرياء أثينا المتعجرفين كان يتوقع بحسن نيّة أنّ الطرف الآخر مثله يبحث عن الحقيقة، وأنّه بمجرد الوصول إليها سيستلم الخصم له ويرفع الراية البيضاء، وربّما سيشكر سقراط على إيضاحه للحق! لكنّ الذي حصل أنّ هذا الشخص دبّر له تهمة باطلة أدّت إلى محاكمة سقراط الشهيرة!
لقد كان بإمكان سقراط أن يتفهّم ضريبة التميّز وأنْ يتجنّب الصدام منذ البداية مع ذلك الرجل المتكبر أو أنْ ينسحب من الجدال بعد أنْ رأى في خصمه ملامح الغطرسة والتكبر ولكنّه آثر أنْ تكون رسالته البحث عن الحقيقة والمعرفة مهما كانت النتائج! وكما كانت لعبة الجدال المنطقي سبباً في شهرة سقراط وذيوع صيته في أثينا كانت سبباً في هلاكه!
فقد كان سقراط يتوهّم أنّ المعركة الكلاميّة مجرّد حوار فلسفي لإثبات الحقيقة أو لإنتصار الحق على الباطل، ولمْ يكنْ يدركْ أبداً أنّها مجرد طريق إلى محاكمته! هناك حيث يقتضي نظام الديمقراطيّة في أثينا ذلك الوقت بالتصويت على الحكم القضائي، فصوّت معظم أعضاء المجلس على إعدام سقراط! لقد كان هذا القرار صادماً لتلاميذ سقراط الذين حاولوا بكافة الطرق إبطال الحكم ولكنْ ذهبت جهودهم مع أدراج الرياح! ولهذا فقد كان تلامذته يبغضون نظام الديمقراطيّة ويرونه غير صالحٍ على الإطلاق! بل كانوا يرون أنْ يكون قرار أثينا بيد النخبة الصالحة الواعية! لقدْ كان أفلاطون على رأس هؤلاء التلاميذ الذين حاولوا بكافة السبل أنْ ينقذوا سقراط، وعندما يأسوا من ذلك حاولوا تهريب أستاذهم من الزنزانة، وحينما سنحت لهم الفرصة المناسبة تفاجأوا بسقراط يوبّخهم على هذه الفكرة! وقال لهم: ماذا تريدون الناس أنْ يقولوا عني؟ سقراط يهرب!
لقد روى أفلاطون في كتبه كيف تمّت محاكمة سقراط وطريقة إعدامه، فقدْ كان الإعدام حينها أنْ يتوسّط المحكوم عليه فناء مجمّع الأهالي أمام حشود أهالي أثينا ثمّ يتجرّع السمّ حتّى الموت! فاسمعْ عزيزي القارئ الكريم كيف كانت تلك اللحظات الحاسمة؟ ولنتركْ لتلميذه وحامل لواء الفلسفة منْ بعده (أفلاطون) يحكي كيف كانت هذه النهاية الصعبة؟ فيقول: لقد دخل سقراط الحمّام ليوفّر على النساء تغسيل جثته بعد الموت، ثمّ خرج فرأى السجّان يبكي عليه، فخاطبه قائلاً: دعهم يحضرون السمّ يا كريتو!
فقال كريتو: إنّ الشمس لا تزال فوق الهضاب ساطعة، ولدينا من الوقت إلى غروب الشمس، فقال سقراط: إنّ تأخّري في شرب السمّ لنْ يجدي نفعاً لأنني بذلك قد وفّرتُ حياةً قد انتهت! ثمّ تناول الكأس بأسهل وألطف طريقة وبدون وجلٍ أو خوف! فلمْ يتغيّر لونه أو تظهر أيّ امتعاضة على قسماتِ وجهه! بلْ رفع الكأسَ إلى شفتيه بكلّ هدوءٍ وابتهاج، وعندما بدأنا بالبكاء نهرنا قائلاً: ما هذا الصراخ والصخب! لقد أبْعدْتُ النساء منْ هنا كيلا أشعر بالإهانة في مثل هذا الموقف! أرجوكم أتركوني أرقد بهدوءٍ وسلام، اهدؤوا واصبروا، ثمّ يقول أفلاطون: وهنا مات أحكمْ وأعدلْ وأفضل جميع الرجال الذين عرفتهم في حياتي!