د. فهد بن علي العليان
اعتدت أن أكتب في الجزيرة الثقافية عن الرجالات والزميلات الذين التقيت بهم واستفدت منهم، ومنذ فترة توقفت الكلمات وتوارت العبارات مع كثرة الارتباطات والانشغالات. واليوم، أجدني مترددا وفي الوقت نفسه متحفزا ومتحمسا للبوح والحديث والكتابة عن شخصية عملية جادة نشيطة هادئة ضاجة، تلتحف بغطاء التواضع دون ضعف، والقوة دون صلَف، والمتابعة دون إيذاء. أريد أن أكتب عن شخص تأسرني أخلاقه، ويحفزني عطاؤه، وتدفعني تساؤلاته، وما كنتُ مسوفا في الكتابة عنه، لكنه الوعد الذي قطعته على نفسي وقلمي بأن لا أكتب عن شخص أرتبط معه بعلاقة عملية؛ مما يجعل القارئ يظن بي الظنون، ويُحَمِّل كلماتي مالا تحتمل.
قبل ما يزيد عن عقدين من الزمن، كنتُ أسمع بالمهندس (طارق بن عثمان القصبي)، يدور اسمه ويتردد خاصة في بداية الانتخابات البلدية حينها جاء خبره في المجالس، وما ظننتُ أن يأتي اليوم الذي أعمل معه وتحت إدارته وأتلقى توجيهاته.
حصل ذلك حينما غادرت الجامعة التي أعشقها والتحقت ببنك الجزيرة عام 2008، حينها كان (أبو عثمان) أحد قيادات البنك البارزة وأحد أكبر الداعمين والمؤثرين في انطلاق وتأسيس برنامج المسؤولية الاجتماعية، تحت شعار (خير الجزيرة لأهل الجزيرة)، وهو البرنامج الذي أتيتُ لتولي إدارته؛ رغبة في تفعيل دور البنك في جانب المسؤولية الاجتماعية بفعل أولئك الذين رصدوا مئة مليون لجانب العطاء من أجل النماء، حينها كان هو أحد أعضاء اللجنة العليا للبرنامج بصحبة رئيس المجلس آنذاك الأستاذ (طه القويز)، وبمشاركة عضو المجلس في تلك الفترة الأستاذ (خالد البلطان)، ومن ثم برفقة القدير المهندس (عبدالمجيد السلطان) الذي وهب (لجنة الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية) جل وقته واهتمامه وعصارة خبرته وأفكاره، وهناك عهد مع القلم والحروف لتسطر عن الأخير أزكى العبارات مع مسيرة برنامج خير الجزيرة.
بدأتُ العمل والتنسيق مع اللجنة في توجيهاتها وتوجهاتها، فوجدت أبا عثمان داعما ومساندا وموجها فلم يبخل عليّ بوقته على الرغم من انشغاله، ولم يتوان أبدا عن طرح أفكاره ورؤاه مع حجم ارتباطاته، فقد كان - مشكورا مأجورا - يتيح لي الوقت الكافي للقاء به في مكتبه لتبادل الآراء حول أفضل الممارسات والبرامج التي تخدم المجتمع، مركزا بالدرجة الأولى على الشباب والشابات، وكذلك دعم الأسر المنتجة لتحقق الاكتفاء الذاتي. وهنا، أقول وللتأريخ: إن أبا عثمان، لم يبخل لا بوقته ولا بجهده ولا بأفكاره ولا بعلاقاته لتوجيه البرنامج لتحقيق أهدافه فيما يخدم أفراد المجتمع في مختلف مناطق المملكة.
أجدني الآن أتعثر بحروفي؛ إذ لم أستطع أن أكتب ما أريد قوله، وهنا أعترف أنني لا أستطيع أن أوفيه حقه، لكنني سأواصل حديثي عنه من جانب آخر في العلاقة العملية وهو اهتمامه بشأن المصرفية الإسلامية حيث كان أحد رواد تحول البنك من المصرفية التقليدية إلى المصرفية الإسلامية، وقد تم ذلك عام 2007 بفضل الله.
أدركت هذا حين اقترح ووجهني - عندما كان رئيسا لمجلس الإدارة - بعمل كتاب يرصد مرحلة التحول ليكون مرجعا يُهتدى به، وبالفعل بدأنا العمل ليخرج الكتاب الذي تشرفت بالإشراف عليه عام2021م، ولقد كان - وفقه الله - سعيدا جدا بخروج الكتاب وفق منهجية علمية، بل إنه رغب أن يكون متاحا للمهتمين بثلاث لغات: العربية، والإنجليزية، والفرنسية، لتعم الفائدة.
ولا أنسى أنه شارك كمتحدث رئيس حول هذه التجربة بعد خروج الكتاب وانتشاره في ندوة أقامتها الجمعية الفقهية السعودية في رمضان عام 2022 تشرفت بإدارتها، وبمشاركة مجموعة من أصحاب الفضيلة والمعالي المهتمين بالمصرفية الإسلامية: د. عبدالله المطلق، د. سعد الشثري، د. سعد الخثلان، والشيخ عبدالعزيز الحمين، د. محمد القري، د. خالد السياري.
وهنا أقول: إنني ارتبطت معه وبه في جانبين: المسؤولية الاجتماعية، والمصرفية الإسلامية، فكان داعما موجها محفزا شغوفا.
وأما الحديث عن أخلاقه وطيب معدنه وتواضعه وكرمه، فهذا أمر يعرفه كل من تعامل معه؛ فتجده القوي الأمين، والناصح الحاني والموجه المدقق.
وفي الحقيقة، فإن المهندس (طارق القصبي) يعد أنموذجا جميلا لا بد أن تكتب سيرته ومسيرته لتكون نبراسا لجيل اليوم؛ ليروا من خلاله كيف عبر (أبوعثمان) محطات متعددة في حياته - بتوفيق رب العالمين - ثم بجهده وطموحه ومثابرته ؛ وليدركوا كذلك أن الرفعة مقرونة بالتواضع هي الباب لمحبة الناس وتقديرهم.
أعرف جيدا أنه يصعب الإحاطة من خلال حروف يسيرة بمسيرة إنسان لها أبعاد متعددة وجوانب مختلفة، لكنني أزعم أن هذه إشارات عابرة لشخصية وطنية قدمت الكثير، وتلاقي محبة ومودة المحيطين به ممن عرفوه واختلطوا به.
فشكرا مهندسنا الكريم لكل عطاءاتك التي لا يحيط بها قلمي، ثم شكرا لك بلا انتهاء لدعمك وتوجيهك وقربك، بل وقلبك حين كنتَ قريبا من أخيك توجيها ودعما ومساندة في مسيرة العطاء من خلال المسؤولية الاجتماعية التي تزهو بك رائدا وداعما.
تتوقف كلماتي، ولن تتوقف دعواتي لك بالتوفيق والسداد في أمورك كلها، وعسى ربي أن يعينك لكتابة سيرتك التي ستكون نبراسا لأبناء هذا الجيل، والعهدة على الأولاد الكرام للمبادرة، والله خير معين.