علي حسين (السعلي)
يقول أرسطو حول نظرية المحتمل (وحدة الفعل في التراجيديا التي لا تقدّم أشخاصًا، بل تقدّم أفعالًا؛ فهي شخصيات في حالة فعل).
يحكي ماكس برود عن فرانز كافكا، صديقه الوحيد، من خلال رسائله؛ ففي إحدى الرسائل يطلب كافكا من صديقه أن يعمد إلى إحراق كل مخطوطاته «من دون استثناء ومن دون أن يقرأها أحد». وفي ملاحظة أخرى يُلحّ على الطلب بقوة أكبر.
إذًا نحن بين نظرية المحتمل في الفعل الدرامي عند أرسطو، وبين كافكا في طلبه من صديقه إحراق بعض كتبه. غير أن ماكس، أعني ماكس برود، لم ينفّذ وصية كافكا، بل أخرجها ونشرها، وحسنًا فعل بعدم إحراقها، إذ استفاد منها كل من يقرأ كافكا فنيًا.
والسؤال الآن: كيف نجمع بين نظرية الفعل وبين فكرة إحراق الكتب عند كافكا؟
إن هذا «المحتمل» والشعور بالظلم عند كافكا يجعلنا نقف موقفًا منصفًا، أو لنقل وسطًا، بين نص «التتار قادمون» وبين الفعل السردي داخل النص من حرق ودمار، لما أصاب مكتبة بغداد على يد المغول، الذين لم يكن همّهم سوى إحراق الدنيا.
فالحرق عند كافكا يحتمل أمرين، بطريقة أرسطية: حرق الذات بوصفها لا تستحق، أو حرق يفضي إلى إثارة الدهشة عبر سؤال: لماذا أحرق كتبه؟
في نص «التتار قادمون» يتكرر الاحتمال والحرق، أو لنقل استلهام التراث وإسقاطه على الواقع، وإن كان الحرق بوابة عبور لدى القارئ.
توقفت كثيرًا عند تكرار عبارة (حنت رأسها لتُمسك جبينها بيدها). هذا الوصف أثار حفيظتي القرائية من ناحيتين: وروده في بداية النص، ثم تكراره قرب خاتمته. وهذه «الغفوة» إن جاز التعبير تدل بما لا يدع مجالًا للشك على رمزيتها، وسأعود إليها لاحقًا.
أما الزمان والمكان، أو ما يسميه الدكتور عبد الله الطيب «الزمكانية»، فقد جعلانا في بيئة «ألف ليلة وليلة»، ليس من الغلاف فحسب، بل حتى في متن الحكايات. والأعجب أن البطلة أصبحت داخل قصة من قصصه حدثًا بحد ذاتها، حتى إن الكاتب والقارئ تحوّلا إلى شخصيات مع شهريار، بينما لعبت شهرزاد به وبنا بإتقان.
هذه الزمكانية تتمثل في القصر، والأحداث في بغداد، التي عاشت ولا تزال معاناة الشعب مع حكامه.
مكتبة بغداد الكبرى، هجوم التتار الهمجي، والمغولية القاتلة لكل شيء: إنسانًا، ومكانًا، وحرفًا، وإبداعًا؛ حتى إن النهر تحوّل إلى مسرح للدماء في الطرقات وعلى صفحته، حتى اسودّ ماؤه، وهي القصة المعروفة.
حين رفعت شهرزاد رأسها بعد أن حنته إلى أسفل صدرها، وفي أثناء اجتياح التتار لعالم «ألف ليلة وليلة»، من علاء الدين إلى السندباد، عاد الملك شهريار ليسألها عن سبب التوقف. وهنا أكملت الحكاية بإيعازها بدخول المتمردين: «أكملوا الحكاية».
استطاع الكاتب أن يجعل «ألف ليلة وليلة» زمانًا ومكانًا للأحداث، وترك النهاية مفتوحة أمام شهريار والقراء، وفي ذلك حِرَفية سردية متقنة.
أما الرموز، التي تشكّلت مع حرق المكتبة واختيار بغداد والمغول، فهي إسقاط على الحاضر. فلنفكك شفرة الحكاية من خلال هذه الرموز.
«حنت رأسها لتُمسك جبينها بيدها» هي الغفوة التي يعيشها عالمنا العربي؛ يصحو ثم يفيق، ثم يعود إلى الغفوة.
الديك جعله الكاتب شخصية يمسح شهريار على رأسها، وهو يرمز في تقديري إلى الإعلام المضلِّل.
مسرور «ذاك الضخم المسرف في العضلات والقتل» صوّره الكاتب مسخًا يختفي حين تظهر الحقيقة.
الكأس في يد شهريار، حين أعطاه لشهرزاد لتحكي، حكت لكنها غيّرت الأحداث؛ وهذا الكأس يرمز إلى الضلال والصلف والجنون، الملازم لبعض الحكّام.
المتمردون: كيف تحوّل التتار القتلة إلى متمردين أصحاب حق؟ إنها نقلة من خريف الجريمة إلى ربيع الحلم والواقع.
شهرزاد ترمز في ظني إلى الأمة العربية.
هل نجح الكاتب في استثارة القارئ؟ هل تغيّرت خارطة أوطاننا بظهور المتمردين؟ هل تمنّينا سقوط شهريار، وسقوط حكم العسكر داخل القصر/السجن الذي جعل شهرزاد حبيسة ألف ليلة وليلة من حياتها؟ وهل تمثّل «الليلة الواحدة بعد الألف» نهاية الحكم، وصعود المتمرد صاحب الحق، وسقوط خدم القائد؟
نظرية المحتمل عند أرسطو، وفكرة الإحراق عند كافكا في نص «التتار قادمون» تتمثلان في أن المحتمل هو إسقاط تاريخي على واقع «الليلة الواحدة بعد الألف»، أما الإحراق فهو الشرارة الأولى لسقوط الظلم وظهور المتمردين، في واقع يطاله الدمار في الإنسان والمكان والزمان.