د.عبد العزيز سليمان العبودي
في عام 1999، أحدث الباحثان جاستن كروجر وديفيد دونينج تحولاً جذرياً في فهمنا للإدراك البشري بنشر دراستهما في مجلة «الشخصية وعلم النفس الاجتماعي» بعنوان: «غير ماهر وغير مدرك لذلك: كيف يؤدي العجز عن إدراك نقص الكفاءة إلى تقييمات ذاتية مبالغ فيها». حيث قدم البحث تشريحاً لما يُعرف اليوم بـ «تأثير دونينج-كروجر»، وهي الفجوة الإدراكية التي تجعل غير الأكفاء يبالغون في تقدير أنفسهم نتيجة فقدانهم للمهارات الميتامعرفية أي: معرفة الفرد بقدراته وحدوده. إلا أن المتأمل في تاريخ المعرفة يجد أن هذا الاكتشاف هو في جوهره برهنة علمية لحكمة تراثية قديمة، نتجت في أروقة الحلقات العلمية تحت مسمى أشبار العلم الثلاثة.
إن مقولة العلم ثلاثة أشبار، هي قاعدة إدراكية تَعاقب على صياغتها ونقلها كبار أئمة السلف، مما يدل على استقرار هذه الملاحظة السلوكية في العقل الجمعي قبل تبلورها لدى علم النفس الحديث بقرون. وتكشف المراجع التاريخية عن تدرج هذا المفهوم لدى عدة أعلام، أولهم الإمام الشعبي (رحمه الله). حيث عُرف عنه، قوله في ذم من يستعجل التصدر: العلم ثلاثة أشبار، في إشارة إلى أن العلم كالبحر الذي يغتر السابح بشاطئه قبل أن يدرك عمقه. أما سفيان الثوري (رحمه الله)، فقد نُسبت إليه المقولة بتفصيلها الأشهر؛ حيث كان يقول: «العلم ثلاثة أشبار: فمن نال منه شبراً تكبر، ومن نال منه الشبر الثاني تواضع، ومن نال منه الشبر الثالث علم أنه لا يعلم شيئاً». وكان الثوري يرمي بهذه المقولة لتهذيب نفوس طلابه في الكوفة، مدركاً أن البدايات السطحية تمنح نشوة معرفية كاذبة. وجسد الإمام الشافعي (رحمه الله) الشبر الثالث في قوله الشهير: «كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي، وإذا ما ازددت علماً زادني علماً بجهلي». هذا يثبت أن الحكمة القديمة لم تكتفِ بوصف الجهل، بل قسمت رحلة التعلم إلى محطات نفسية تتقاطع بشكل مذهل مع المنحنيات البيانية المعاصرة.
الشبر الأول: فخ السيادة الزائفة وعجز المعايرة. انطلق بحث كروجر ودونينج من حادثة «ماك آرثر ويلر»، الذي سرق مصرفين وهو يطلي وجهه بعصير الليمون ظناً منه أنه سيختفي عن الكاميرات. هذا «الجهل المطبق» قاد الباحثين لاكتشاف ما يسمى بـ العبء المزدوج؛ وهو أن الشخص غير الكفء يفتقر للمهارة التي تجعله ينجز العمل، ويفتقر أيضاً للمهارة التي تجعله يدرك فشله. وفي تجارب البحث، وجد الباحثان أن المشاركين في الربع الأدنى من اختبارات المنطق سجلوا في المقياس المئوي 12 درجة فعلياً، لكنهم قدّروا أنفسهم 62 درجة. هذا الفارق الشاسع هو التجسيد الحرفي لـ»الشبر الأول»؛ حيث يؤدي نقص المعرفة إلى ثقة عمياء وتكبر معرفي. فالمرء في هذه المرحلة لا يملك الميتامعرفة التي تعمل كمرآة تكشف له حجم قصوره، فيرى نفسه فوق الأقران.
الشبر الثاني: وادي اليأس ومفارقة التواضع المعرفي. وقال عنه الأوزاعي (رحمه الله): «من دخل في الشبر الثاني تواضع». وفي البحث المذكور، نجد برهاناً مذهلاً على ذلك؛ فعندما قام الباحثان بتدريب المشاركين غير المهرة، ورفع كفاءتهم الفعلية، حدث شيء غير متوقع: انخفضت تقديراتهم لذواتهم. فقد أصبحوا أكثر تواضعاً وموضوعية لأنهم أصبحوا أكثر علماً. هذا التحول من السيادة الزائفة إلى التواضع المعرفي هو جوهر الانتقال للشبر الثاني. فكلما ازداد العلم، ازدادت القدرة على رصد الأخطاء الذاتية، واكتشف المرء أن ما كان يظنه يقيناً هو مجرد احتمالات، وما كان يراه بسيطاً هو غاية في التعقيد. هنا يبدأ «وادي اليأس» في المنحنى، حيث تتهاوى الثقة الزائفة لتفسح المجال لبناء خبرة حقيقية.
الشبر الثالث: «طريق الاستنارة» وإدراك الجهل المطلق. وفي الشبر الثالث، يدرك العالِم أنه لا يعلم. هذه الحالة التي نصل فيها إلى الجهل الواعي، وهي ما رصده البحث لدى الأكفاء؛ حيث وجد أن المتفوقين يميلون للتقليل من شأن أنفسهم، مفترضين أن ما يسهل عليهم يسهل على غيرهم (تأثير الإجماع الزائف). الوصول إلى هذه المرحلة يعني امتلاك الميتامعرفة الكاملة، حيث يصبح الفرد قادراً على تقييم علمه وجهله بدقة متناهية.
ومن الأمثلة القرآنية لذلك قصة موسى عليه السلام مع الخضر. فعندما خطب موسى عليه السلام في بني إسرائيل وسأله أحدهم عن أعلم الناس، فظن بحكم نبوّته أنه أعلم أهل الأرض، فأراد الله عز وجل أن يبين لموسى عليه السلام أن هناك مِن العباد مَن هو أعلم منه، ولذلك أمره أن يسير إلى مكان معين يلتقي فيه مع ذلك العالم. فأمره أن يسافر إلى مجمع البحرين ليلتقي بالعبد الصالح الخضر. فطلب موسى مرافقته ليتعلم من علمه، فاشترط الخضر، ألا يسأله عن شيء حتى يبيّن له هو. وخلال الرحلة وقعت ثلاثة أحداث: خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار لأهل قرية رفضوا ضيافتهما. وفي كل مرة كان موسى يعترض اعتماداً على ظاهر الفعل، بينما كانت وراء كل حدث حكمة خفية أراد الله أن يعلّم بها موسى حدود المعرفة البشرية، وأن بعض أقدار الله لا تُفهم من ظاهرها. وفي النهاية كشف الخضر له أسباب أفعاله، فظهر أن كل ما فعله كان رحمة ولطفاً من الله، وأن العلم الإلهي أوسع من أن يحيط به بشر.
ختاماً، فالأثر الوارد عن السلف، جاء كـدواءٍ للنفس البشرية، لحمايتها من الكبر، بينما العلم الحديث جاء كـتشخيص مخبري للانحياز المعرفي. لكن الرسالة واحدة، فالطريق إلى الحكمة يبدأ بالاعتراف بالجهل. والتشابه بين سفيان الثوري في القرن الثاني الهجري وديفيد دونينج في القرن العشرين، يثبت أن العقل البشري يتبع أنماطاً ثابتة؛ فالثقة التي تشعر بها في البداية ليست دليلاً على قوتك، بل هي برهان ساطع على نقص مهاراتك في رؤية جهلك. إن المعرفة الحقيقية تبدأ من اللحظة التي تدرك فيها أنك لا تزال تقف على شاطئ بحر لم تكتشف منه إلا شبراً واحداً.