إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
دخل الفن التشكيلي السعودي في حقبة السبعينيات الميلادية (1970م - 1979م) وهو يحمل طموحات المؤسسة والانتشار. في هذه العشر سنوات، لم تعد الريشة السعودية تبحث عن مجرد «اعتراف»، بل بدأت تصيغ «كياناً» وطنياً متكاملاً، مستفيدة من اتساع جغرافية المملكة التي اختزلت في مدنها تنوعاً ثقافياً وفلكلورياً مذهلاً، وهو ما وثقه ببراعة نقادنا في مراجعهم التي لا غنى عنها، مثل كتاب «مسيرة الفن التشكيلي السعودي» لعبدالرحمن السليمان، و»تاريخ الفن التشكيلي» للدكتور محمد الرصيص، و»فن في نصف قرن» لأحمد فلمبان.
وهنا وجب التنويه، أننا حين نستعرض هذه المسيرة، فإننا نذكر أسماءً هي «بعض من كل» و»غيض من فيض»؛ فالحركة التشكيلية السعودية غنية بمئات المبدعين والمبدعات الذين لا تسعفنا المساحة لحصرهم جميعاً، لكن إسهاماتهم تظل محفورة في ذاكرة اللون، وما الأسماء الواردة هنا إلا نماذج تمثل هذا الزخم الإبداعي الطاغي.
إذا أردنا أن نشير إلى «نقطة التحول» الكبرى في السبعينيات، فلا بد أن نتوقف عند الدور القيادي والتاريخي لـ الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز. فمع توليه رئاسة الرئاسة العامة لرعاية الشباب عام 1974م، دخل الفن التشكيلي عصره الذهبي من حيث الدعم والتمكين. لم ينظر الأمير فيصل للفن كترف، بل كجزء أصيل من بناء الإنسان السعودي وهويته الوطنية؛ فأنشأ قسماً خاصاً للفنون التشكيلية، وأطلق «المعارض العامة للمقتنيات»، وشرّع أبواب «الاقتناء الرسمي» لتصبح أعمال الفنانين تزين أروقة الوزارات والسفارات والمطارات، مما منح الفنان أماناً مادياً ومعنوياً غير مسبوق. وبفضل رؤيته، لم يكتفِ الفن بالبقاء داخل الحدود، بل طار بالهوية السعودية إلى قلب العواصم العالمية عبر الأسابيع الثقافية، ليقف الأمير بنفسه خلف كل فنان سعودي، مؤمناً بأن «الريشة» هي القوة الناعمة التي تحكي قصة الوطن للعالم.
ثورة الصحافة
وبالتوازي مع الدعم الرسمي، ولدت سلطة «القلم» التي واكبت «الريشة»؛ وهنا يبرز اسم سمير الدهام كقائد لهذا التحول عبر جريدة الجزيرة. في هذه الحقبة، لم يكن الدهام يمارس «النقد» بمفهومه الأكاديمي المتعالي، بل كان يمارس «الصحافة الفنية» بمعناها الميداني الحقيقي؛ حيث جعل من «الجزيرة» نافذة يومية تتابع أخبار الفنانين، وتنقل تفاصيل معارضهم، وتخلق جسراً من الألفة بين الجمهور السعودي وبين هذا الفن الجديد. بفضل سمير الدهام، خرجت اللوحة من أروقة المراسم الضيقة لتصبح خبراً يتصدر الصفحات، مما منح الفنانين في تلك الفترة دعماً معنوياً هائلاً، وجعل من الرياض مركزاً إعلامياً للفن يوازي حركة المراسم في جدة والدمام، ويوثق للحراك لحظة بلحظة.
مصنع الأكاديمية ونضج الهوية
في الرياض، كان معهد التربية الفنية للمعلمين (تأسس 1966م) هو «المختبر» الحقيقي الذي تخرج منه معظم فناني هذه الحقبة، حيث التقى أبناء الوطن بمعلمين فنانين صقلوا مواهبهم وفق أسس أكاديمية صارمة. ومن أروقة هذا المعهد، برزت أسماء شكلت عصب الحراك، مثل علي الرزيزاء الذي بدأ في السبعينيات يبلور أسلوبه المعتمد على مفردات العمارة والزخرفة النجدية، محولاً إياها إلى تكوينات حديثة تضج بالهوية، ومحمد الرصيص الذي كان يوازن ببراعة بين ممارسته الفنية وبحثه في تاريخ الفن السعودي. كما سجلت هذه الحقبة حضوراً لافتاً لفنانين مثل سعد المساعد وسعود القحطاني ومحمد الصندل الذين اشتغلوا على تصوير المكان بصدق شديد.
أما في المنطقة الغربية، فقد استمر الزخم في جدة بعودة المبتعثين مثل صفية بن زقر ومنيرة موصلي، بجانب أسماء كـ نبيلة البسام ويوسف جاها وصالح خطاب. وفي المنطقة الشرقية، برزت تجارب رصينة مثل تجربة عبدالستار الموسى، بينما ألهمت الجبال الشاهقة في الجنوب أعمال فنانين مثل عبدالله الشلتي وحسن عسيري، الذين استلهموا من الطراز الجنوبي ألواناً وتكوينات فطرية أثرت المنجز التشكيلي الوطني. وفي هذا السياق، ظهرت اجتهادات رمزية لافتة، مثل تجربة عبدالحميد البقشي وخليل حسن خليل، اللذين قدما محاولات لتطوير لغة بصرية تبتعد عن المحاكاة الصرفة لتلامس آفاق الرمز والخيال.
ختام الحقبة: الحروفية ودار الفنون
ومع أواخر السبعينيات (1977م - 1979م)، شهدت الساحة توجهاً لافتاً نحو «الحرف العربي»؛ حيث بدأ محمد السليم ومحمد الصقعبي وبكر شيخون في تطويع الحروفية وجعلها عنصراً تشكيلياً صرفاً يتماشى مع الروح الحداثية. وتوج هذا العقد في عام 1979م بتأسيس الراحل محمد السليم لـ«دار الفنون السعودية» بالرياض، لتكون أول مؤسسة خاصة تفتح أبوابها للمبدعين، مؤكدة أن الفن التشكيلي السعودي قد عبر مرحلة البدايات اليافعة وأصبح كياناً يمتلك مؤسساته وصحافته ومدارسه.
لقد كانت السبعينيات «جيل المثابرين» بامتياز؛ الجيل الذي حفر في الصخر ليضع القواعد التي نرتكز عليها اليوم في كل مناطق المملكة. وإذ نودع هذا العقد بزخمه المؤسسي وصحافته الرائدة، نجد أنفسنا أمام تساؤل جديد: كيف تحول هذا الحراك المنظم إلى تيارات أكثر تمرداً في العقد التالي؟ وكيف استطاعت المناطق أن تبلور هوياتها الخاصة من خلال تجمعات فنية ولدت من رحم الاحتياج للابتكار؟ وكيف بدأ الجيل الجديد في صياغة لغة بصرية ترفض السائد وتبحث عن أفق لم يطأه أحد من قبل؟
في مقالنا القادم، سنبحر في حقبة جديدة، حيث تولد الجماعات الفنية من رحم التنوع، وحيث تشتعل المنافسة بين الأصالة والتمرد.. انتظرونا.
** **
تويتر: AL_KHAFAJII