صالح الشادي
أعود بذاكرتي عقوداً إلى الوراء، إلى ذلك اليوم الذي ناقشتُ فيه رسالة الماجستير حول دور قرية الجنادرية التراثية في إبراز المكون الثقافي والاجتماعي في المملكة العربية السعودية. لم تكن مجرد مناقشة أكاديمية عابرة، بل كانت شرارة الانطلاق في رحلة عمر من البحث والتنقيب في أعماق التراث الوطني. كنتُ أشعر وأنا أجيب عن أسئلة اللجنة أن ثمة ما هو أكبر من مجرد دراسة أكاديمية، ثمة دعوة خفية لخوض غمار علم الأنثروبولوجيا بمعناه الواسع، ذلك العلم الذي يبحث في الإنسان وأصوله وعاداته وتفاصيل حياته.
فكرة التوسع كانت حاضرة بقوة، وكأنني أقف على تخوم عالم موازٍ مليء بالأسرار والجمال. وفي مرحلة الدكتوراه، كانت البداية الحقيقية للرحلة التي شغلت روحي وعقلي لسنوات. قطعتُ المملكة طولاً وعرضاً، من مناطقها العريقة إلى محافظاتها النابضة بالحياة، أحطتُ برحالي حيثما حطت ركائز الأصالة. كنتُ أبحث في العادات والتقاليد، أتتبع الفنون الشعبية كما يقتفي الظمآن أثر الماء، أدون المفردات التراثية كأنها درر مكنونة تنتظر من يستخرجها.
وهنا أتوقف عند لحظة فارقة، عندما استضافت لجنة المناقشة العلمية أستاذاً من قسم علم الاجتماع في الجامعة الأردنية العريقة. رأيتُ في عيون اللجنة كلها، ذلك الأستاذ المحنك خاصة، دهشةً وإعجاباً بحجم المكونات التراثية في هذا الوطن، بأصالتها التي لم تمسّها يد التحريف، بعمقها الذي يمتد في جذور التاريخ. أدركتُ حينها أن الصورة ليست واضحة لمن هم خارج الوطن، وأن ما نملكه من كنوز معرفية وتاريخية يفوق التصور، حتى وأنا الذي نشأتُ في هذه البيئة وعايشتُ تفاصيلها.
كان العشق هو الدافع، والحب هو الوقود الذي أطلق رحلة علمية استمرت طويلاً. كلما تعمّقتُ في بحثي، اكتشفتُ زخماً هائلاً من المفردات الثقافية والتراثية التي تشكّل ملامح الهوية السعودية بكل تنوعها الإقليمي وثرائها الحضاري. كانت كل منطقة تفتح لي باباً جديداً من الإبداع الإنساني، من فنون الأداء إلى الحرف اليدوية، من أنماط العيش إلى طقوس التواصل الاجتماعي، من المأثور الشعري إلى أساليب البناء التي تتناغم مع البيئة.
ومضت عقود، وبقي حلمي كمتخصص في الأنثروبولوجيا أن يحظى هذا الجانب بالاهتمام الرسمي اللائق به. كنتُ أتطلع إلى يوم نرى فيه مؤسسات متخصصة تعنى بالتراث والثقافة، وتعمل على صونه ونشره بالطرق العلمية الحديثة. وكنت أدعو الله أن أرى هذا الحلم يتحقق على أرض الواقع، لا مجرد أمنيات تتردد في الأروقة الأكاديمية.
وها أنا اليوم، وبعد عقود من تلك المناقشة، أشعر كغيري بالرضا الكبير. لقد تحقق الحلم الذي طالما انتظرناه بفضل جهود ودعم قيادتنا العظيمة الرشيدة.. رأينا وزارة الثقافة تتبنى هذا الملف الحيوي، وتطلق هيئاتها المتخصصة في الأدب والتراث والفنون والمتاحف، كل في مجاله، تعمل بتناغم يحسد عليه لإبراز الهوية الثقافية الوطنية. ورأينا الجامعات والمؤسسات الثقافية تولي اهتماماً غير مسبوق بهذا التراث، وتخصص له البرامج العلمية والمراكز البحثية التي تعمل على دراسته وتوثيقه.
الأجمل من ذلك هو الوعي العام الذي بات يحيط بأهمية هذه التفاصيل التراثية. المجتمع اليوم أصبح أكثر إدراكاً لقيمة إرثه الثقافي، وأكثر حرصاً على نقله للأجيال القادمة، وأكثر فخراً بعاداته وتقاليده التي شكلت عبر القرون نسيجاً اجتماعياً متماسكاً.
واليوم، وأنا أتأمل هذه المشاهد المبهجة، لا يملك الإنسان إلا أن يدعو بالشكر لله على تحقيق هذه الأمنية، وألا يكتفي بما تحقق، بل يطمح للمزيد. أتطلع إلى رؤية المزيد من البحوث حول تراثنا الوطني، حول اكتشاف ما تبقى منه وتدوينه بأمانة علمية. وأحلم أن نرى الإعلام والفن شريكين حقيقيين في نشر هذه الصور الحضارية، وتصديرها إلى العالم أجمع.
نعم، أطمح أن ترى البشرية جمعاء هذا التاريخ الاجتماعي الزاخر، لتشاهد بنفسها ذلك المخزون من القيم الإنسانية النبيلة، من الإبداع الذي لا ينضب، من الجمال الذي يسمو بالروح. هذا التراث ليس ماضياً نستذكره، بل هو حاضر نعيشه ومستقبل نبنيه، وهو رسالتنا للعالم عن هوية عريقة تتجدد، وثقافة أصيلة تواكب العصر بثقة وإبداع.