فرح عبده
في ستينيات القرن الماضي، كان الحصول على معلومة واحدة يتطلب رحلة شاقة إلى المكتبات الوطنية، واليوم، بكبسة زر واحدة، يغرق الفرد في محيط من البيانات.
هذه «الوفرة» التي احتفلنا بها كإنجاز حضاري، بدأت تتحول في الآونة الأخيرة إلى ما يسميه علماء النفس «شلل القرار». نحن نعيش في عصر يمتلك فيه الشاب خيارات لا حصر لها للدراسة، والعمل، والاستثمار، وحتى الترفيه، ولكن المفارقة العجيبة هي أن هذه الخيارات اللامتناهية لم تجعلنا أكثر سعادة أو إنجازاً، بل جعلتنا أكثر قلقاً وتشتتاً.
إن «لعنة الوفيرة» تضرب في عمق الكفاءة الإنتاجية؛ فبينما كان الجيل السابق يركز على مسار مهني واحد ويطوره لعقود، يجد جيل اليوم نفسه محاصراً بآلاف المسارات التي تظهر وتختفي في لمح البصر.
هذا التشتت الذهني يخلق ما يمكن تسميته بـ «الخبرات السطحية»، حيث يعرف الفرد القليل عن كل شيء، ولا يتقن شيئاً واحداً بعمق. إننا أمام معضلة حقيقية: كيف نربي جيلاً يمتلك أدوات العالم كله بين يديه، لكنه يفتقد للبوصلة التي توجهه نحو هدف محدد؟
اقتصادياً، تنتقل هذه اللعنة إلى سوق العمل؛ فالمواهب التي تملك «خيارات الهروب» السهلة عبر العمل الحر أو التنقل السريع بين الشركات، بدأت تفقد قيمة «الصبر الاستراتيجي» اللازم لبناء مؤسسات كبرى.
إن بناء اقتصاد مستدام بعيداً عن تقلبات السوق يتطلب نفساً طويلاً، وهو أمر يتناقض تماماً مع ثقافة «النتائج الفورية» التي فرضتها تطبيقات الهواتف الذكية وسرعة تدفق المعلومات.
وعلى مستوى الوعي الاجتماعي، نجد أن كثرة المنصات الإعلامية لم ترفع من مستوى الحقيقة، بل زادت من «ضجيج التضليل». ففي غابة الخيارات، يصبح المتلقي فريسة للأسهل والأسرع وليس للأصدق والأعمق. هنا تكمن الخطورة؛ إذ يتحول المجتمع من «مجتمع معرفة» إلى «مجتمع استهلاك للمعلومات»، حيث تُقاس الأفكار بعدد «اللايكات» لا بجدواها الحقيقية على أرض الواقع.
إن الحل لا يكمن في تقليل الخيارات - فهذا مستحيل في زمن العولمة - بل في تطوير ما يسمى «فلترة الوعي». نحن بحاجة إلى منظومة تعليمية وتربوية لا تعلم الطالب «ماذا يختار»، بل تعلمه «كيف يستغني» عن الخيارات الثانوية ليركز على الجوهري. إن مهارة «التركيز العميق» أصبحت اليوم العملة الأغلى في سوق العمل العالمي، وهي السلاح الوحيد لكسر لعنة الوفيرة.
إن الصمود في وجه صدمات المستقبل لا يعتمد على كمية الخيارات المتاحة لنا، بل على قدرتنا على اختيار مسار واحد والمضي فيه بصلابة.
إن الأسواق الناشئة التي تطمح للريادة، كالمملكة العربية السعودية في رؤيتها الطموحة، تدرك أن التنوع الاقتصادي هو القوة، لكن التشتت الذهني هو الضعف. لذا، يجب أن يكون هدفنا القادم هو تحويل هذه الوفرة من «عبء يشتتنا» إلى «وقود يحركنا» نحو أهداف واضحة ومحددة، بعيداً عن بريق الخيارات الزائفة التي تلمع ولا تضيء.
** **
- كاتبة فلسطينية