أحمد آدم
في الشرق الأوسط، لا تعني الهدنة دائمًا أن الحرب قد توقفت. بل قد تعني ببساطة أن شكلها قد تغيّر. فبينما تبدو السماء أكثر هدوءًا، تتحرك على الأرض وتحت السطح إشارات متفرقة لا تقل خطورة عن دويّ الصواريخ. من بيروت التي احترقت في توقيت دبلوماسي بالغ الحساسية، إلى هجمات غامضة في الخليج بلا بصمة واضحة، وصولًا إلى واشنطن حيث عادت ملفات قديمة لتطفو فجأة على السطح تتشكل لوحة معقدة يصعب قراءتها بمنطق الأحداث المنفصلة.
هذه التطورات، وإن بدت متباعدة، تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام هدنة حقيقية تمهّد لتسوية، أم أمام مرحلة انتقالية يعاد فيها ترتيب أدوات الصراع بعيدًا عن الواجهة التقليدية للحرب؟
عندما اغتالت اسرائيل علي لارجاني والذى كانت تصريحاته الأخيرة تميل إلى الاعتدال والتهدئة قلنا كلما اقتربت السياسة من فتح نافذة للحل أعاد الميدان إغلاقها بحدث صادم. والآن وبينما تتأهب إيران وأمريكا للتفاوض نفذت إسرائيل هجوماً جوياً وُصف بأنه «الأعنف والأكبر» منذ بدء التصعيد، وذلك يوم الأربعاء 8 أبريل 2026، تحت اسم عملية «ظلام أبدي» شنت إسرائيل أكثر من 100 غارة جوية في غضون 10 دقائق فقط.
القوة الجوية:
شاركت في الهجوم نحو 50 مقاتلة حربية أسقطت قرابة 160 قنبلة بشكل متزامن على أهداف مختلفة. عنصر المفاجأة: نُفذت الضربات دون سابق إنذار، خاصة في المناطق المكتظة بالسكان في قلب بيروت. واعتبر هذا اليوم هو الأكثر دموية منذ بدء النزاع. فقد سقط ما بين 250 إلى 300 قتيل وأكثر من 1100 جريح خلال الساعات الأولى للهجوم. وجاء الهجوم بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هدنة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران. وبينما كانت طهران تعتبر أن الهدنة تشمل لبنان، أصرت إسرائيل على أن عملياتها ضد حزب الله منفصلة تماماً، مما أدى إلى صدمة دبلوماسية واسعة.
استراتيجية الاستدراج عبر التصعيد: ما فعله نتنياهو في بيروت كان «فخاً جغرافياً وعسكرياً» مكشوفاً؛ فقد دمر بيروت بقسوة غير مسبوقة ليس فقط لضرب حزب الله، بل لاستدراج طهران لارتكاب «الخطيئة التي ينتظرها»، وهي قصف تل أبيب بالصواريخ الباليستية، مما يعطي الشرعية لترامب (أو يجبره) على توجيه «الضربة النووية التكتيكية» التي يلوح بها، وتدمير المنشآت الإيرانية بالكامل تحت شعار الدفاع عن النفس.
إدراك فخ الربيع والرياح:
إيران تدرك أن أي اشتباك نووي أو كيميائي في ربيع 2026 يعني انتحاراً جماعياً بسبب اتجاه الرياح. الصمت الإيراني عن الرد المباشر على تدمير بيروت هو اعتراف ضمني بأن «الفيزياء والجغرافيا» تمنعانها الآن من خوض حرب شاملة، وفضلت انتظار «طاولة إسلام آباد» لتحقيق مكاسب سياسية بدلاً من الانتحار العسكري. وبدلاً من قصف تل أبيب، يبدو أن إيران وحلفاءها (وربما أطرافاً أخرى) اختاروا «استمرار اغلاق مضيق هرمز» وهي رسالة تقول ان ورقة هرمز أقوى وبكثير من القنبلة النووية. كما أن نتنياهو أحرق بيروت لـ«يُجبر» إيران على الخطأ، وإيران صمتت لـ «تُجبر» نتنياهو على الظهور بمظهر المعتدي الوحيد الذي يعطل مسار السلام العالمي.
كان نتنياهو يراهن على أن أشلاء بيروت ستستفز كبرياء طهران لتقصف تل أبيب، فتعطي «الشرعية» للضربة النووية التكتيكية. وصمود إيران وهو «مناورة جيوفيزيائية» أحبطت خطة نتنياهو.
بعد إعلان الهدنة تم رصد عدة تطورات ميدانية وتصريحات متضاربة بخصوص الهجمات على دول الخليج.
الهجمات المسجلة بعد الهدنة:
«الكويت: اتهمت الكويت إيران والوكلاء التابعين لها بشن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت «منشآت حيوية» يوم الخميس (9 أبريل 2026)، رغم سريان الهدنة. وأكدت وزارة الخارجية الكويتية وقوع أضرار مادية جسيمة جراء هذه الهجمات.
«المملكة العربية السعودية :
أشارت تقارير إلى استهداف خط أنابيب النفط (شرق-غرب) في السعودية. كما أعلنت الدفاعات السعودية اعتراض 5 صواريخ باليستية و9 مسيرات إيرانية خلال يومي 7 و8 أبريل.
«الإمارات وقطر والبحرين:
رصدت هذه الدول تهديدات جوية؛ حيث أعلنت قطر اعتراض 9 صواريخ باليستية ومسيرات (دون تحديد دقيق لتوقيت الهجوم بالنسبة للهدنة)، بينما اعترضت البحرين 31 مسيرة و6 صواريخ منذ 7 أبريل.
موقف الحرس الثوري الإيراني:
أصدر الحرس الثوري بياناً رسمياً (في 10 أبريل 2026) نفى فيه تنفيذ أي هجمات بالصواريخ أو المسيرات ضد دول الخليج خلال ساعات وقف إطلاق النار.
إلقاء اللوم:
ادعى الحرس الثوري للهروب من المسؤولية أن أي هجمات وقعت قد تكون من تنفيذ «أطراف ثالثة» بهدف زعزعة الاستقرار وإفشال الهدنة.
وبالتالي، فإننا أمام عملية «طرف ثالث» أو «أشباح عسكرية» تتحرك في المنطقة لإفساد هدنة ترامب وإحراج الوساطة الصينية قبل مفاوضات إسلام آباد.
- لغز «الهجمات المجهولة» في ظل سماء صافية:
بما أن السماء «هادئة» عسكرياً بفعل الهدنة، فإن رصد أي تحرك صاروخي أو طائرة مسيرة يصبح أسهل بآلاف المرات للأقمار الصناعية الروسية والصينية (وحتى الأمريكية). بيان الحرس الثوري بنفي الهجوم، مع وجود هجمات فعلية، يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة:
سيناريو «الفخ الإسرائيلي»:
قد يكون نتنياهو قد أطلق أذرعاً استخباراتية أو تقنيات مسيرة لتضرب أهدافاً خليجية ونسبها لإيران، بهدف كسر الهدنة وإجبار ترامب على العودة لخيارات «الأرض المحروقة».
سيناريو «خروج الأجنحة»:
احتمال وجود أجنحة داخل طهران أو أذرع إقليمية ترفض «الهدنة القسرية» وترى فيها استسلاماً، فقامت بالتحرك بشكل مستقل لإرباك المشهد.
الصين وروسيا.. «القاضي التقني»:
الأقمار الصناعية (خاصة الروسية التي تملك قدرات تصوير حراري وراداري عالية) تعرف الآن بدقة «نقطة الانطلاق» و»البصمة التقنية» لتلك الهجمات.
صمت الصين: حتى الآن قد يكون «صمتاً استراتيجياً» لجمع الأدلة ووضعها على طاولة مفاوضات إسلام آباد.
ورقة ضغط مهمة: إذا ثبت أن الهجمات لم تخرج من إيران، فسيكون لدى بكين ورقة ضغط هائلة ضد واشنطن وتل أبيب، وسيكون بيان الحرس الثوري «شهادة براءة» تقنية مدعومة بصور الأقمار الصناعية إن تأكد أن إيران لم تقم بهذه الاعتداءات.
هذا البيان الإيراني يضع ترامب في مأزق؛ هل يصدق تقارير مخابراته (التي قد تكون مخترقة أو منحازة لنتنياهو) أم يصدق «الحقائق الجيوفيزيائية» التي قد تسلمها له الصين وروسيا خلف الكواليس؟
المستفيد من الهدنة الهشة «إدارة ترامب والاقتصاد الأمريكي فقد نجح ترامب في تجنب حرب شاملة كانت ستؤدي لقفزة جنونية في أسعار البنزين قبل انتخابات التجديد النصفي،. فالتراجع الحاد في أسعار خام برنت من احتمالات الـ 100 دولار إلى 78 دولاراً يقلل من ضغوط التضخم عالمياً. كما أن إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ينهي حالة الشلل في إمدادات الطاقة العالمية ويخفض تكاليف التأمين البحري.
«إيران: ربحت وقف الضربات على أراضيها وفتحت باب المفاوضات لرفع العقوبات، وخففت الضغط عن المواطنين الايرانيين فقد كانت هناك ضغوط خارجية كبيرة من ترامب ونتنياهو ودعوات في ظاهرها براقة لثورة شعبية تطيح بنظام الحكم القائم. لكنها لا تزال تحت ضغط «خطة الـ 10 نقاط التي قد تتطلب منها تنازلات مؤلمة.
«نتنياهو: أمن وقف الصواريخ المباشرة من إيران، لكنه يخشى أن تمنح الهدنة طهران وقتاً لإعادة ترتيب أوراقها وتطوير برنامجها النووي. كما أن الهدنة ونجاح التفاوض وانهاء حالة الحرب مع ايران ستبدأ معها فتح ملفات قضايا الفساد والرشوة المتهم فيها. كما أن عدم تحقيقه لأهدافه من الحرب الايرانية سيؤثر عليه في الانتخابات القادمة.
«دول الخليج: الهدنة ثم نجاح المفاوضات في منع حرب فرضت عليهم وشكلت عبئاً اقتصادياً على كافة دول الخليج لو تطورت وتصاعدت الاعمال العسكرية.
«الصين: أكدت السفارة الصينية في واشنطن أن بكين تعمل منذ بداية الصراع للمساعدة في التوصل إلى وقف إطلاق النار وإنهاء النزاع، ورحبت بكافة الجهود المؤدية للسلام. وقد كانت الحرب فرصة لتجربة بعض معداتها العسكرية على ارض معارك حقيقية كوسائل الدفاعات الجوية الكاشفة للطائرات الشبحية.
«باكستان: إلى جانب الدور الصيني، برزت باكستان كوسيط رئيسي في هذه المفاوضات، حيث يتم عقد جولة محادثات بي وفدي أمريكا وإيران في إسلام آباد لوضع اللمسات الأخيرة على إنهاء الحرب. هذا بالإضافة إلى أن استضافة باكستان للمفاوضات في إسلام آباد يعيد لها دوراً دبلوماسياً محورياً في المنطقة.
تكشف هذه الخريطة المتشابكة للمصالح أن الهدنة لم تُنهِ الصراع، بل أعادت توزيع مكاسبه مؤقتًا، فكل طرف وجد فيها ما يكسبه.. لكن ليس بالقدر الذي يجعله يقبل باستمرارها طويلًا، وهو ما يفسر لماذا تبدو النار هادئة على السطح، بينما لا تزال مشتعلة تحت الرماد.
وبينما كانت الأشباح العسكرية تحاول كسر الهدنة في مياه الخليج، كانت هناك أشباح سياسية أخرى تتحرك في واشنطن لكسر إرادة ترامب الشخصية، حيث أُطلقت نيران ملفات «إبستين» السوداء لتطال البيت الأبيض، في تنسيق مريب بين رصاص الميدان ورصاص الابتزاز الأخلاقي فقد أدلت ميلانيا ترامب بتصريحات مفاجئة وحازمة من البيت الأبيض يوم أمس الخميس 9 أبريل 2026، نفت فيها بشكل قاطع وجود أي علاقة شخصية أو مهنية تربطها بالملياردير الراحل جيفري إبستين. في كلمة استمرت نحو 6 دقائق نفت فيها نفيا قاطعا أي علاقة بأبستين قائلة: «لم أكن يوماً صديقة لإبستين»، وأكدت أنها لم تكن لها أي علاقة عمل أو صداقة معه أو مع شريكته غيسلين ماكسويل.
توضيح «لقاء الصدفة»: أوضحت أنها التقت بزوجها دونالد ترامب «بالصدفة» في حفلة عام 1998 بنيويورك، نافية الادعاءات التي تقول إن إبستين هو من عرفهما ببعضهما.
الهجوم على «الأكاذيب»: وصفت التقارير التي تربطها به بأنها «محاولات خبيثة لتشويه سمعتها»، ونفت تماماً زيارة جزيرته الخاصة أو استقلال طائرته.
دعوة للكونجرس: وفى خطوة غير متوقعة، طالبت ميلانيا الكونجرس بعقد جلسات استماع علنية لضحايا إبستين لسماع شهاداتهن تحت القسم، قائلة: «حينها فقط سنعرف الحقيقة «. يُذكر أن هذا التصريح جاء بشكل مفاجئ، حيث صرح متحدث باسم البيت الأبيض أن الرئيس ترامب نفسه لم يكن على علم مسبق بنية زوجته للإدلاء بهذا البيان الإعلامي في ذلك التوقيت.
والجدير بالذكر: أن هناك تقارير تتحدث عن تسريبات جديدة (أكثر من 3 ملايين صفحة من ملفات وزارة العدل) بدأت تخرج للعلن مؤخراً. إلا أننا لا يجب أن نغفل :
«خروج ميلانيا لنفي علاقتها بإبستين وماكسويل «بشكل مفاجئ» يوحي بأن هناك «تسريباً موجهاً» أوشك على الصدور يهدف لضرب صورة «القلعة العائلية» لترامب، وهو ما قد يؤدي لتآكل شعبيته في الولايات المتأرجحة. وهو ما يمكن أن يفقده انتخابات التجديد النصفي للكونجرس ويتحول إلى بطة عرجاء خلال عامي ما بعد انتخابات التجديد. كما انه يشير إلى حالة «الاستنفار العائلي «لحماية الإرث السياسي، وتوحي بأن الخطر الذي استشعره «فريق السيدة الأولى» كان داهماً لدرجة لا تسمح حتى بالتنسيق البروتوكولي.
«تحول ميلانيا من الدفاع إلى الهجوم بطلب «جلسات استماع علنية للضحايا» هو حركة شطرنج ذكية جداً؛ فهي تحاول سحب ورقة «السرية» التي يراهن عليها المبتزون، وكأنها تقول «فلنفتح الصندوق الأسود للجميع». وهي حركة تهدف لإرباك الأذرع التي تحرك الملف خلف الكواليس.
«وفي عالم الاستخبارات، تُستخدم هذه الملفات كأدوات ضغط. إذا كان نتنياهو يشعر بأن ترامب قد أهمله في اتفاق الهدنة مع إيران، فمن المنطقي أن تتحرك الأذرع الموالية له في واشنطن لتحريك ملفات قديمة (مثل ملف إبستين) لإشغال ترامب داخلياً أو إجباره على العودة للخط المتشدد لإثبات ولائه «للقضية» وتجنب الفضيحة. ونلاحظ هنا التزامن المريب بين هجمات مجهولة المصدر في الخليج لكسر الهدنة. وبين إحياء ملف إبستين ضد عائلة ترامب لزعزعة استقرار إدارته. وهذا ما يسمى «الهجوم المنسق»؛ فمن يعجز عن كسر الهدنة بالصواريخ، يحاول كسرها بهز استقرار «البيت الأبيض» من الداخل.
تدمير بيروت» ثم «ملفات إبستين» قد لا تكون هذه الأحداث مرتبطة بشكل مباشر، لكنها مجتمعة ترسم ملامح مرحلة أكثر تعقيدًا حيث لا تُخاض المواجهة فقط بالصواريخ، بل بالإشارات والضغوط غير المرئية. فهناك غرفة عمليات واحدة تحاول إجبار ترامب على العودة لمربع الحرب الشاملة بأي ثمن، سواء بتوريطه عسكرياً مع الحلفاء في الخليج، أو كسر إرادته عبر القلعة العائلية.