مهدي آل عثمان
منذ اندلاع موجة التصعيد الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تعود جذورها إلى تراكمات سياسية وعسكرية ممتدة منذ سنوات، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراع المركب، حيث لا تُخاض الحرب في ميادين القتال فقط، بل في فضاءات الإعلام والتصريحات السياسية، وفي ساحات التأثير النفسي والدبلوماسي. وفي قلب هذا المشهد المعقد، يبرز سؤال محوري يتردد صداه في الأروقة الدولية: من يملك الجرأة على إعلان وقف إطلاق النار؟
التصريحات المتلاحقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعكس حالة من التذبذب المدروس، فبين التهديد الصريح، ومنح المهل، والإيحاء بإمكانية التفاوض، تتشكل صورة حرب لا تُدار فقط بالقوة العسكرية، بل بإدارة دقيقة للرسائل السياسية. هذه التصريحات، وإن بدت متضاربة في ظاهرها، إلا أنها تمثل أداة ضغط نفسي تهدف إلى إرباك الطرف الآخر، وإبقائه في حالة ترقب دائم.
في المقابل، تتبنى إيران خطاباً مغايراً في الشكل، لكنه لا يقل حدة في المضمون، حيث كانت تنفي بشكل متكرر خلاف الواقع وجود أي تواصل مباشر أو رغبة في التفاوض، وتؤكد تمسكها بخيار المواجهة، مع التشديد على سيادتها واستقلال قرارها السياسي.
هذا النفي المستمر لا يمكن قراءته بمعزل عن محاولة الحفاظ على صورة الصمود داخلياً، ومنع أي تفسير قد يُفهم على أنه تراجع أو قبول بشروط مفروضة.
هذا التباين في الخطاب بين الطرفين لا يلغي حقيقة مشتركة، بأن الحرب الحالية ليست عسكرية فقط، بل هي حرب نفسية بامتياز. فكل تصريح، وكل نفي، وكل تسريب إعلامي، يدخل ضمن معادلة الضغط المتبادل، حيث يسعى كل طرف إلى إظهار نفسه في موقع القوة، وإضعاف ثقة الطرف الآخر، والتأثير في الرأي العام المحلي والدولي.
ورغم هذا التصعيد الإعلامي، فإن الواقع يشير إلى أن كِلا الطرفين يدرك كلفة استمرار الحرب. فإيران، بحسب مؤشرات متعددة، تعرضت لضغوط كبيرة على بنيتها التحتية وقدراتها العسكرية، سواء في مخازن السلاح أو في جاهزية بعض قطاعاتها البرية والبحرية والجوية. كما أن استمرار النزاع يفرض عليها تحديات اقتصادية متزايدة، في ظل بيئة داخلية تتطلب استقراراً سياسياً واجتماعياً للحفاظ على تماسك الدولة ومؤسساتها.
أما الولايات المتحدة، فهي الأخرى ليست بمنأى عن التعقيدات. فالحروب طويلة الأمد، مهما كانت قدرات الدولة، تظل مكلفة سياسياً واقتصادياً، وتضع صانع القرار أمام تحديات داخلية وخارجية. كما أن اتساع رقعة الصراع يحمل مخاطر انخراط أطراف إقليمية ودولية في هذه الحرب، وهو ما قد يغير طبيعة المواجهة من نزاع محدود إلى صراع أوسع يصعب التحكم في مساراته.
وهنا تتجلى الإشكالية الكبرى، أن الجميع يرغب في إنهاء الحرب، لكن لا أحد يريد أن يكون أول من يعلن ذلك. فإعلان وقف إطلاق النار في مثل هذه الظروف لا يُنظر إليه فقط كخطوة نحو السلام، بل قد يُفسر على أنه اعتراف ضمني بالهزيمة أو التراجع. لذلك، يتردد كل طرف في اتخاذ هذه الخطوة، ويُفضل أن تأتي المبادرة من الطرف الآخر، أو من خلال وسيط يخفف من وقع القرار، لكن الرئيس ترامب حسم الأمر أعلن عن هدنة لمدة أسبوعين.
هذا التردد الذي كان قد منح المجال أمام دور الوساطات الدولية، التي يمكن أن تشكل مخرجاً سياسياً مقبولاً للطرفين. فالتاريخ السياسي يُظهر أن كثيراً من الحروب انتهت عبر تدخل أطراف ثالثة، فكانت الوساطة الباكستانية التي تجري المفاوضات بين أمريكا وإيران في إسلام أباد لصياغة تسويات تحفظ الحد الأدنى من مصالح المتنازعين، وتمنحهم فرصة الخروج من الصراع دون خسارة معنوية كبيرة. وفي هذا السياق، يمكن أن تلعب منظمات دولية أو دول محايدة دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر، وتهيئة الأرضية لاتفاق شامل.
غير أن نجاح أي وساطة لا يعتمد فقط على وجود طرف وسيط، بل على توفر إرادة حقيقية لدى الأطراف المعنية. فالحروب التي تُدار بمنطق الهيبة فقط، دون حساب دقيق للكلفة والعائد، غالباً ما تستمر لفترات أطول، وتنتج عنها تداعيات يصعب احتواؤها. ومن هنا، فإن التحول من منطق التصعيد إلى منطق التسوية يتطلب شجاعة سياسية لا تقل أهمية عن الشجاعة العسكرية.
كما أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يأخذ في الاعتبار المصالح الوطنية لكل طرف، ويحترم السيادة، ويعالج جذور الصراع، لا أن يكتفي بإيقاف مؤقت لإطلاق النار. فالتجارب السابقة تُظهر أن الاتفاقات الهشة، التي لا تُبنى على أسس واضحة، سرعان ما تنهار، وتُعيد الصراع إلى نقطة البداية، وربما بشكل أكثر تعقيداً.
إن استمرار هذا النزاع دون أفق واضح للحل لا يهدد فقط الطرفين المباشرين، بل يحمل في طياته مخاطر توسع الصراع ليشمل أقاليم أوسع، في ظل اصطفافات دولية قد تعيد تشكيل موازين القوى على مستوى العالم. ومن هنا، فإن مسؤولية إنهاء هذا الصراع لا تقع على عاتق طرف واحد، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب وعياً سياسياً عميقاً، وإدراكاً لحجم المخاطر.
وتبقى الحقيقة الأهم أن القوة لا تُقاس فقط بالقدرة على خوض الحروب، بل بالقدرة على إنهائها في الوقت المناسب. إن الطريق إلى وقف إطلاق النار لا يمر عبر إعلان الهزيمة، بل عبر صياغة توازن جديد يضمن لكل طرف أمنه واستقراره، ويمنح المنطقة فرصة لالتقاط أنفاسها. وبين التصريحات المتضاربة والواقع الميداني، يظل الأمل معقوداً على أن تنتصر الحكمة السياسية، وأن يُقدم صوت العقل على ضجيج الحرب، قبل أن يتسع نطاقها إلى ما لا يمكن احتواؤه، بانتظار مفاوضات إسلام أباد، ونتائج هدنة الأسبوعين القادمين.