منصور بن صالح العُمري
ليست كل فكرةٍ تُكتب تُقرأ، ولا كل ما يُنشر يُثمر، ولكنّ ثمة أفكارًا تُلقى في زمنٍ كأنها غرسٌ في أرضٍ لم تُمهَّد بعد، فإذا بها - مع الأيام- تصير غابةً وارفة، يستظل بها وطنٌ بأكمله، وتنتفع بها أجيالٌ لم تشهد لحظة الميلاد الأولى.
قبل سبعةٍ وخمسين عامًا، وفي يومٍ من أيام عام 1390هـ، كتب والدي الشيخ صالح بن سليمان العُمري رحمه الله في صحيفة الجزيرة مقالًا لم يكن حديثَ يومه، بل حديثَ عقودٍ تليه. لم يكن توصيفًا لواقعٍ قائم، ولا تعليقًا على حدثٍ عابر، بل كان نظرًا يتجاوز اللحظة، ويستشرف ما وراء الجغرافيا وما وراء السياسة وما وراء المألوف.
كانت الفكرة في ظاهرها بسيطة العبارة:
تمديد أنابيب البترول شرقًا إلى غرب المملكة، من منابع الإنتاج إلى شواطئ البحر الأحمر.
لكنّ حقيقتها لم تكن أنابيب تُمدّ، بل كانت سيادة تُبنى، ومخاطر تُستبق، وخيارات تُوسَّع. كانت انتقالًا من الاعتماد على مسارٍ واحد، إلى امتلاك القدرة على تعدد المسارات؛ من الجغرافيا المفروضة، إلى الجغرافيا المُعاد تشكيلها بإرادة الإنسان.
لم يكن ذلك زمن الوفرة في الوسائل، ولا زمن تسارع التنفيذ، ولا زمن الانفتاح الكامل على معطيات العالم؛ ومع ذلك، وُلدت الفكرة. وهذا هو الفرق بين من يرى الواقع كما هو، ومن يرى ما ينبغي أن يكون.
ثم دارت الأيام..
وما كُتب يومًا كفكرة، أصبح مشروعًا، ثم صار شريانًا من شرايين الوطن، ينبض في عمقه الاقتصادي والاستراتيجي. ومع إنشاء خط الأنابيب إلى ميناء ينبع، لم تعد المملكة رهينة اتجاهٍ واحد في تصدير نفطها، بل أصبحت تملك مرونة القرار، وأمان الإمداد، وقدرة المناورة في أحلك الظروف.
ولقد أثبتت الأزمات - قديمها وحديثها- أن تلك الفكرة لم تكن رفاهية ذهنية، بل كانت حكمة استباقية، وأن ما يُبنى في زمن السعة، هو الذي يحفظ الاستقرار في زمن الشدة. فما أكثر المشاريع التي وُلدت استجابةً لأزمة، ثم انطفأت بانطفائها، وما أعظم المشاريع التي وُلدت قبل الأزمة، فكانت سببًا في تجاوزها.
غير أن في القصة وجهًا آخر لا يقل عظمةً عن الفكرة ذاتها.. وهو قبولها.
فليست كل فكرةٍ رائدةٍ تجد طريقها إلى التنفيذ، ولا كل رأيٍ صائبٍ يُمنح فرصة التحول إلى واقع، خصوصًا إذا بدا في أول أمره غريبًا، عالي الكلفة، بعيد الأثر المباشر. وهنا تتجلّى حكمة القيادة وبعد نظرها؛ إذ لم تُقابل الفكرة بالتحفظ أو الإرجاء، بل فُتحت لها أبواب الدراسة، ثم أُعطيت حقها من العناية حتى صارت مشروعًا قائمًا.
إن في تقبّل ولاة الأمر -حفظهم الله- لمثل هذه الفكرة، رغم ما فيها من جرأة وكلفة، دلالةً على فطنةٍ سياسيةٍ راشدة، ووعيٍ بأن بناء الأوطان لا يقوم على الحسابات الآنية وحدها، بل على استشراف المستقبل، وتحمل كلفة اليوم لأجل أمن الغد. كما أنه شاهدٌ على سعة الصدر للرأي الصالح، وأن صوت المواطن إذا صدر عن إخلاصٍ وبصيرة، فإنه يجد من يصغي إليه، ويُنزله منزلته.
وهكذا تكتمل الصورة:
فكرةٌ صادقة، وعقلٌ استشرافي، وقيادةٌ تُحسن التقدير.
إن قيمة هذه التجربة لا تقف عند حدود النفط، بل تتجاوزها إلى منهجٍ في التفكير:
أن لا ننتظر الخطر حتى نقاومه، بل نراه قبل أن يلوح، وأن نبني البدائل قبل أن نحتاجها، وأن نحول الجغرافيا من قيدٍ إلى أداة، وأن نفتح المجال للأفكار الصادقة لتأخذ طريقها إلى التنفيذ.
لقد كان ذلك المقال - في جوهره - درسًا في معنى الرؤية:
أن تكتب اليوم لما سيحتاجه الغد، وأن ترى في امتداد الأرض فرصًا لا حدودًا، وأن تدرك أن السيادة الحقيقية لا تُعلن بالشعارات، بل تُرسَّخ بالمشروعات.
رحم الله والدي الشيخ صالح بن سليمان العُمري، فقد كتب فكرةً، وكتب معها صفحةً من صفحات التحول في تاريخ هذا الوطن. وإن أعظم الوفاء لمثل هذه العقول، ليس في الثناء عليها فحسب، بل في أن نستلهم طريقتها: أن نفكر بما يتجاوز الحاضر، وأن نغرس لما سيأتي، وأن نوقن أن بعض الكلمات -إذا صدقت- قد تتحول إلى أوطانٍ كاملة من المنجزات.
فالأوطان لا تُبنى بما نراه فقط.. بل بما نستبق رؤيته.