د. ناهد باشطح
فاصلة:
«التعرض المتكرر للأخبار المقلقة قد يجعل العالم يبدو أكثر خطورة مما هو عليه في الواقع»
-جورج جربنر-
سأحدثكم اليوم عن مصطلح «هوس تصفح الأخبار السيئة» (Doomscrolling)
أو «التصفح المتعسر» أو «التصفح المكثف للأخبار السلبية».
كلها معاني لسلوك يصف عدم التوقف عن متابعة أخبار الحروب والعنف مما يشكل خطرا صحيا وعقليا على الإنسان، خاصة مع انتشار هذا الكم الكبير من الأخبار وقت الأزمات، مثل وقتنا هذا، وتكاثف الأخبار حول حرب أمريكا وإيران وتداعياتها على الخليج، وقد ظهر هذا المصطلح خلال وباء كورونا مع انتشار كم كبير من الأخبار السيئة عن الجائحة.
كلنا نعرف تأثير وقع الاخبار السيئة على مزاجنا ونفسيتنا وعلى مستويات هرمون السعادة أو «السيروتونين» مما يؤدي إلى الإرهاق والتوتر والانفعال وتقلب المزاج وحتى اضطرابات النوم، ومن ثم ارتفاع هرمون التوتر «الكورتيزول» الذي يجعلنا في حالة توتر دائمة.
وقد نشر موقع «هافينغتون بوست» الإخباري دراسة أجراها عدد من علماء النفس كشفت عن أن الأشخاص الذين أمضوا ثلاث دقائق في قراءة الأخبار السيئة في الصباح قالوا إنهم مروا بيوم سيء بعد ست إلى ثماني ساعات وذلك بنسبة 27 بالمائة.
في المقابل، قرأت مجموعة أخرى من المشاركين في الدراسة ما يُطلق عليه «الأخبار البناءة» حيث قالوا إنهم قضوا يوما جيدا بنسبة 88 بالمائة.
اذن لماذا يدمن البعض متابعة الاخبار السيئة ؟
هناك أسباب يمكن اختصارها في التالي:
1- الدماغ مبرمج على الخطر
أي خبر سلبي قد يكون تهديدا، لذلك نتوقف عند الأخبار السيئة ونعود لها مرارًا
هذا يُعرف بـ “التحيز السلبي” (Negativity Bias)
2- الأخبار تعطينا وهم السيطرة
عندما يحدث توتر (مثل أزمة مضيق هرمز)
نشعر أن العالم غير مستقر والأمور خارج سيطرتنا ، فتتابع الأخبار لنشعر أننا تفهم ما يحدث
3- حلقة المكافأة
كل مرة نقرأ خبرا، نحصل على معلومة جديدة، الدماغ يعطينا مكافأة صغيرة ، لذلك نستمر في البحث عن الخبر التالي.
4- عدم وجود نهاية
دائمًا هناك تحديث جديد، فندخل في حلقة “خبر آخر، ربما هذا مهم” ولا نتوقف
5- الخوف من تفويت شيء
قد يحدث شيء كبير ونحن لا نعلم، وهذا يدفعنا للعودة باستمرار
6- الأخبار مصممة لتجذب الناس، فالعناوين غالبًا صادمة ومقلقة والخوف يجذب الانتباه أكثر من الهدوء.
7- تأثير التكرار
الخبر نفسه يعاد بصيغ مختلفة ومن مصادر متعددة فيبدو كأنه أمر ضخم وخطير جدًا.
الإشكالية أن الباحثين لم يجدو حل سحري للحماية من هوس تصفح الأخبار السيئة ، لكن يمكن مواجهة ذلك عن طريق وقف تشغيل تطبيقات الأخبار مؤقتاً
ويمكن مقاومة الرغبة في تصفح الأخبار السيئة عن طريق التوجه إلى الأخبار الجديرة بالثقة والأخبار الإيجابية.
ويقول الباحثون إنه يمكن تحديد أوقات محددة لمطالعة الأخبار كذلك يمكن إيقاف تفعيل تطبيقات وتنبيهات الأخبار العاجلة حيث يفضل قراءة ملخص عن أبرز الأحداث.
وقد نشرت الغارديان دراسة في يوليو 2024 عن مصطلح هوس تصفح الاخبار السيئة تربط بين التصفح المفرط للأخبار السلبية والقلق الوجودي، وانعدام الثقة، والشك، واليأس. أجرى الباحثون استطلاعًا شمل 800 طالب جامعي ووجدوا أن التصفح المفرط للأخبار السلبية يرتبط بمشاعر القلق الوجودي، وانعدام الثقة والريبة تجاه الآخرين، واليأس.
وجاءت نتيجة الاستطلاع «إن التعرض المستمر للأخبار السلبية أصبح مصدرًا للصدمة غير المباشرة، حيث يتأثر الناس سلبًا رغم عدم تعرضهم للصدمة بشكل مباشر، واننا عندما نتعرض باستمرار للأخبار والمعلومات السلبية عبر الإنترنت، قد يُهدد ذلك معتقداتنا فيما يتعلق بفنائنا وقدرتنا على التحكم في حياتنا».
الأمر يبدو خطيراً أن نجعل متابعة أخبار الحروب هوس دائم؛ فالحروب لن تنتهي بمتابعتنا لأخبارها والاندماج في متابعة تناقضات المعلومات وتضليل بعض المصادر.