د. سجى عارف
لا يُبنى إعلام اليوم على التخمين أو التجربة أو الآراء الشخصية، بل على الدراسات العلمية التي تكشف اتجاهات الجمهور، وتحولات الصناعة، واحتياجات السوق، وأنماط الاستهلاك. وفي المملكة تتزايد الأبحاث العلمية التي تتناول مستقبل الصحافة السعودية يومًا بعد يوم، وتقدم رؤى دقيقة يمكن أن تُشكِّل أساسًا لنهضة إعلامية جديدة لو أحسنت المؤسسات قراءتها وتفعيلها.
فالصحافة الحديثة لم تعد مجرد ممارسة مهنية فقط، بل أصبحت علمًا له أدواته، وبياناته، ونماذجه التحليلية التي تدرس في مقررات ومناهج علمية في الجامعات وتطبقها الأكاديميات الإعلامية والمؤسسات الصحفية، والمستقبل لن يكون لمن يملك المنصة الأكبر، بل لمن يملك الفهم الأعمق.
الدراسات العلمية في المجال الصحفي تؤكد أن الجمهور تغير لكن المؤسسات لم تلحق به بعد، وتكشف لنا الأبحاث الحديثة أن الجمهور لم يعد يكتفي بالمعرفة، بل يبحث عن التحليل والمعنى وراء هذا التحليل، ولم تتوقف الأبحاث هنا، بل ترى أن المحتوى المتخصص يتقدم على المحتوى العام، وأن صحافة البيانات أصبحت ضرورة لا ترفًا، كما أن الشباب رغم توجههم نحو المنصات الرقمية إلا أنهم يفتقدون المحتوى الرصين.
هذه النتائج ليست مجرد أرقام، بل هي خارطة طريق للمؤسسات الرامية إلى البقاء، ومع ذلك، ما زال البعض منها يعمل بمنطق الماضي، وينتج محتوى لا يعكس احتياجات الجمهور، ولا يستند إلى أي دراسة علمية.
المؤسف في الأمر أننا نلاحظ أن هناك فجوة كبيرة بين المعرفة والتطبيق وأن كثيرًا من الدراسات الأكاديمية تبقى حبيسة الأدراج، رغم أنها تحمل حلولًا جاهزة لمشكلات تعاني منها المؤسسات يوميًا ومنها ضعف التفاعل، وتراجع الثقة، وغياب المحتوى المتخصص، وضعف مهارات الصحفيين في التحليل، وغياب الابتكار في غرف الأخبار رغم كثرة الأفكار، وهذه ليست مشكلات تقنية، بل مشكلات معرفية حقيقة.
والحل يبدأ من سؤال بسيط: هل تقرأ المؤسسات الصحفية ما يكتب عنها في الجامعات؟ وكيف تستفيد هذه المؤسسات من الدراسات العلمية؟ يأتي الحل في تحويل الأبحاث إلى سياسات تحريرية، فالدراسات تكشف ما يريده الجمهور، وما ينقص المحتوى، بل وما يجب تطويره، ويمكن للمؤسسات أن تبني سياستها التحريرية على النتاج العلمي لا على الانطباعات والملاحظات.
ومن الحلول أيضًا تطوير مهارات الصحفيين بناءً على فجوات حقيقية، فالأبحاث تحددها بوضوح وتطرحها في تساؤلات منها أين يقف الصحفي، وما هي المهارات التي يحتاجها اليوم، وما هي تخصصات المستقبل؟ ومن هنا يصبح التدريب موجهًا لا عامًا وتستخدمه المؤسسات لصقل مواهب موظفيها وتدريب الجيل القادم في المجال. ويأتي أهمية بناء محتوى متخصص على قائمة أولويات الأبحاث التي تشير إلى ارتفاع الطلب على صحافة البيانات، والصحافة العلمية، والمحتوى التفسيري، والتحليل العميق، وهذه المساحات يمكن أن تتفوق فيها المؤسسات الصحفية خاصة لو استثمرت فيها مبكرًا.
إن إعادة تصميم غرف الأخبار أصبح مطلبًا تقترحه الأبحاث العلمية، بل تقدم له نماذج منها غرف الأخبار الهجينة، والفرق متعددة التخصصات، ووحدات تحليل البيانات، وفرق التحقق الرقمي، وهي ليست رفاهية، بل هي مستقبل الصناعة، كما أن الجمهور يثق في المؤسسات التي تشرح مصادرها وتوضح منهجيتها وتعترف بالخطأ وتعمل على إصلاحه، كما تلتزم بالمعايير المهنية، فالثقة الجماهيرية ليست شعارًا نردده، بل ممارسة مستحقة.
وكي نستفيد من الدراسات العلمية نحتاج إلى إنشاء مراكز بحث إعلامية مصغرة داخل المؤسسات، وأن تبني المؤسسات شراكات مع الجامعات السعودية، وتعمل على تحويل نتائج الأبحاث إلى مؤشرات أداء، وتُسهم في دعم الباحثين وتُشجع الدراسات التطبيقية، وتُشرك الصحفيين في قراءة وتحليل نتائج الأبحاث، لتشكّل نموذجاً حياً في تحقيق المعادلة التي كانت مستحيلة يومًا ما من خلال تعاون الأكاديمي والمهني، وبهذه الخطوات يصبح البحث العلمي جزءًا من صناعة القرار الإعلامي. إن مستقبل الصحافة لن يبنى بالاجتهاد الفردي ولا بتكرار نماذج الماضي، ولكن يبنى حين تُصبح المعرفة أساسًا للعمل، وحين تتحول الدراسات العلمية إلى سياسات، وحين تدرك المؤسسات الصحفية والإعلامية أن مستقبل المجال الإعلامي كله مبني عليهم وأن المستقبل لا ينتظر من لا يقرأ.