يشهد قطاع البناء في المملكة العربية السعودية توسعا متسارعا، مدفوعا بمشاريع كبرى في البنية التحتية والإسكان والمدن المستقبلية.
وفي قلب هذا التوسع، يظل الإسمنت عنصرًا أساسيًا لا يمكن الاستغناء عنه، ما يجعله أحد أهم ركائز التنمية الاقتصادية والعمرانية.
في المقابل يواجه هذا القطاع تحديًا متزايدًا يتمثل في ارتفاع انبعاثاته الكربونية، فصناعة الإسمنت تعد من أكثر الصناعات كثافة في الانبعاثات على مستوى العالم نتيجة الاعتماد على الكلنكر كمكون رئيسي. ومع تزايد الطلب المحلي، يصبح لزامًا علينا إعادة النظر في طريقة إنتاج واستخدام هذه المادة.
في هذا السياق برزت مبادرات وطنية، من أبرزها «مبادرة مستقبل الإسمنت» التي تقودها جهات بحثية وصناعية في المملكة، وبدعم من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) وبالتكامل مع جهود وزارة الطاقة السعودية و تهدف الى تسريع التحول نحو إنتاج منخفض الكربون من خلال دعم الابتكار، وتطوير مواد بديلة، وتحسين كفاءة العمليات الصناعية هذه الجهود تعكس التوجه الواضح لتحقيق التوازن بين النمو الصناعي ومتطلبات الاستدامة.
بالرغم من ذلك التحول الحقيقي لا يتوقف على تحسين تقنيات الإنتاج داخل المصانع، بل يصل إلى إعادة تصميم المواد نفسها.
وهنا يبرز دور الأبحاث الحديثة في مجال الخرسانة منخفضة الكربون، التي تعتمد على تقليل نسبة الاسمنت التقليدي واستبداله بمواد اسمنتية بديلة، مثل المواد السيليسية الدقيقة أو المخلفات الزراعية و الصناعية المعالجة.
وتشير الدراسات التجريبية في هذا المجال إلى أن تصميم الخلطات الخرسانية بناءً على التوازن الكيميائي والتركيب الحبيبي يمكن أن يحقق أداءً إنشائيا مقبولًا ومنافسًا في بعض الحالات مع خفض ملحوظ في البصمة الكربونية، كما أن فهم التفاعلات بين مكونات الكالسيوم والسيليكا إلى جانب دور عناصر أخرى مثل الألومنيا، يفتح المجال لتطوير أنظمة اسمنتية أكثر كفاءة واستدامة.
ورغم هذا التقدم لا يزال التحدي قائمًا في نقل هذه الحلول من نطاق البحث إلى التطبيق العملي، إذ تعتمد الصناعة بشكل كبير على معايير تقليدية تركز على مقاومة الضغط كعامل رئيسي لتقييم الأداء، دون إعطاء وزن كافٍ للمؤشرات البيئية.
ومن هنا تبرز أهمية تطوير منظومة تقييم أكثر شمولًا، تأخذ في الاعتبار الأداء البيئي الى جانب الأداء الهندسي بما يسهم في تسريع تبني المواد منخفضة الكربون في جميع المشاريع.
ومع التوقعات بارتفاع الطلب على الاسمنت في المملكة خلال السنوات المقبلة فإن تبني هذا التحول أصبح ضرورة استراتيجية لضمان استدامة القطاع.
كما أن توفر الموارد المحلية و القدرات البحثية المتقدمة يمنح المملكة فرصة حقيقة لقيادة هذا التوجه على المستوى الاقليمي والدولي.
في المحصلة، لن يقاس نجاح قطاع الاسمنت مستقبلا بكمية الإنتاج فقط، بل بمدى قدرته على إنتاج مواد أكثر كفاءة و أقل أثرا على البيئة، وهذا التحول يتطلب تكاملا فعليا بين البحث العلمي والصناعة والسياسيات التنظيمية بما يواكب هدف المملكة الاستراتيجي للوصول للحياد الكربون بحلول 2060 ويستجيب لتحديات المرحلة.
- الكلنكر: المكوّن الأساسي في صناعة الإسمنت، يتم إنتاجه عبر تسخين الحجر الجيري في درجات حرارة عالية، وهو المسؤول عن النسبة الأكبر من الانبعاثات الكربونية في الإسمنت.
- المواد السيليسية: (Siliceous materials) مواد غنية بالسيليكا مثل الرماد الزراعي أو الميكروسيليكا، تُستخدم كبديل جزئي للإسمنت، وتساهم في تحسين خصائص الخرسانة وتقليل الانبعاثات.
** **
عبدالإله بن ناصر المعطش - باحث دكتوراه في الهندسة المدنية - جامعة سوانزي