عند اللقاء بمعالي الشيخ الأستاذ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى أول تسنُّمه الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي في العام (2016) وردت عبارة لطيفة في ثنايا حديثه إلى الباحثين والإعلاميين: «نريد أفكارًا ترمُّ وتواسي». لعل تلك العبارة هي أحد مفاتيح شخصيته. دلََّت كلمة (ترمُّ) وهي الاستخدام الأصح والأفصح للمفردة الشائعة (ترمم) على قوة البيان عنده، فضلاً عن المعنى العميق لإرادة الأفكار التي ترمُّ وتواسي.
أزمة العالم في جانب منها أزمة أفكار، فما أحوج مجتمعاتنا إلى تبني أفكار العلماء المفكرين حتى تتجاوز الواقع وتسخر مصادر القوة في خدمة المثل العليا.
ذلك الحديث لمعالي د. العيسى استدعى مطالعة سيرته الذاتية التي تتكرر فيها مفردة (الفكر) في العديد من الأعمال التي وُسِّدت إليه، في تلازم ضروري بين الفكر والفعل. ومعلوم أن الرؤية والعمل متلازمان في كل خطة ناجحة؛ فالرؤية من دون عمل مجرد حلم والعمل من دون رؤية طريق للإخفاق والفشل.
ولعل تاج الجهود الفكرية لمعاليه ما يتمثّل في رئاسته الشرفية لـ (مركز الحماية الفكرية بوزارة الدفاع) في المملكة العربية السعودية، الذي عُني بإنجاز «المؤتلف الفكري الإسلامي»، وإصدار موسوعة باذخة بشأن هذا الموضوع الحيوي المهم.
ومن يتتبع جهود الشيخ في هذا وفي غيره يقف على مشروع فكري متكامل؛ أي رؤية تأسيسية تعالج قضايا كبرى انطلاقاً من تشخيص الواقع، وإعادة بناء الفكر، وتجاوز العشوائية نحو خطة واضحة ومستدامة لإحداث الأثر الإيجابي المأمول.
وحيث إن المشروع الفكري لشيخنا أوسع من أن يُحاط به في عجالة، فحسبنا مقاربة تلتمس الدنو من بعض الأفكار والآثار، نوجزها في الأسطر التالية:
من ضيق الأقلية المسلمة إلى سعة المواطنة الشاملة
لعل من المناسبات الأولى التي حضرها معالي د. العيسى في رحاب الرابطة، ندوة عن الأقليات المسلمة، مع ممثلين من القارات المختلفة، وموضوع الأقليات المسلمة كثير التداول في مؤتمرات رابطة العالم الإسلامي ونداوتها، وطالما واجه المجتمعين سؤال الهوية وهل يُعبِّر عن الوجود الإسلامي في البلدان غير المسلمة بوصف الأقلية أم الجالية المسلمة أم ماذا؟
وفي تلك الندوة عبَّر بعض القادمين من أمريكا أنهم يعدون أنفسهم مواطنين أمريكيين. وقالوا: نحن نتحدث عن أنفسنا بأننا مسلمون أمريكيون لا «مسلمون في أمريكا».
وأبدت الندوة حاجة مجتمعات المسلمين في دول الأقليات إلى توصيف وضعيتها، بين التفكير بمفهوم (وعاء الانصهار) Melting pot وبين مفهوم (صحن السَّلَطة) Salad bowl والوصف الأول غالبًا ما استُخدم تاريخيًا في الولايات المتحدة، حيث كان يُتوقع من المهاجرين أن «يصبحوا أمريكيين» بالمعنى الثقافي الكامل.
أما الوصف الثاني فهو تشبيه المجتمع بصحن سلطة يحتوي على مكونات مختلفة (خس، طماطم، خيار...) كل منها يحتفظ بطعمه وشكله.
طرح الشيخ الأمين رؤية معاصرة لإدارة التعدد الديني والثقافي تقوم على الاندماج الإيجابي، والمواطنة الشاملة، وهي رؤية تجاوزت ثنائية وعاء الانصهار وصحن السلطة إلى نموذج وازنٍ وإنساني، وذلك حين نظر إلى تلك المجتمعات بأنها (مجتمعات التنوع الديني والثقافي).
ظهرت بوادر هذه الفكرة في كلمة وجهها معاليه لمجتمع المسلمين في اليابان سنة (2017) عندما حضر حفل افتتاح أكاديمية المحبة اليابانية. وترسخت هذه الفكرة من بعد في برنامج عمل للمسلمين في مجتمعات التنوع بعد ذلك.
تجسير الفجوة الدينية
لا شك في أن مبادرات الرابطة وبرامجها المتنوعة، التي قامت على مراعاة فقه الأولويات وترتيب المصالح، وتقبل الآخر، انطلقت من عقل جمعي يتمثَّل في هيئة علماء المسلمين ومجالس الرابطة، غير أن من الحصافة نسبة المبادرة بها إلى قيادة الرابطة ونشاط معالي الأمين العام في مسعاه الحثيث لتحسين التواصل الإنساني بشكل عام وبناء الجسور بين المذاهب، وإظهار صورة ناصعة للإسلام والمسلمين.
ومن أبرز الأفكار التي عبر عنها معاليه فكرة تجسير الفجوة الدينية، وبناء الجسور مستلهماً هذه الرؤية من نهج القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو طريق سار عليه المسلمون في تاريخهم متعاملين مع الآخرين، متعاونين معهم.
هذا النهج القويم هو أن الدين في أصله واحد، يقول الله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (سورة البقرة: 136). ويبين الحديث الشريف أن الدين الذي أنزله الله واحدٌ وأن الأنبياء إخوة: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعَلاَّت، أمهاتهم شتى ودينهم واحد» (رواه البخاري).
وقد توجهت العناية إلى تجسير هذه الفجوة الموجودة بين الأديان، وبناء العلاقة بينها على أساس الحوار التعاوني والفعل التواصلي، بما يضمن إدارة الاختلاف بمرونة وذكاء.
تطوير الحوار الديني
إن المتقصي لتاريخ الحوار الديني، ليدرك ما انتهى إليه المتحاورون من ضرورة تجنب النموذج الثيولوجي العقدي للحوار.
هنالك بالطبع خطاب الحوار الديني الثيولوجي، وخطاب المساجلة والمناظرة، ثم خطاب المعرفة الأكاديمية السائد في أقسام الأديان المقارنة. ولكل مقام خطابه الذي يناسبه، بيد أن حوار الثقافات والحضارات، أثبت أنه الحوار الأجدى لأنه يتسم بنمط الخطاب التفاعلي الباحث عن مصالح يجتمع عليها الجميع.
إنه خطاب عملي يتلمس البعد الحضاري للعلاقات الدينية الدولية، في محاولة للالتقاء حول أرضية مشتركة.
فكرة الدبلوماسية الحضارية
تعني الدبلوماسية في جوهرها التصرّف اللبق الحكيم الماهر، الذي يؤدي إلى تجنب الاحتكاكات العنيفة بين أطراف العلاقة، والمساعدة على حل المشكلات الناشبة بينها سلميًا عن طريق المفاوضات والمساومات والتنازلات المتبادلة، وذلك حتى يتم أخيراً التوفيق المعقول بين المصالح ووجهات النظر المتعارضة.
واستُخدمت عبارة «الدبلوماسية الحضارية» في بعض مواثيق المنظمات الإسلامية للدلالة على العلاقات القائمة بين المنظمات والمؤسسات والقيادات الدينية والثقافية بعضها ببعض في العالم.
وأبرزت خطابات الشيخ العيسى في القمم الدينية ومحاضراته في دور العلم العالمية ومراكز البحث الكبرى مسؤولية القيادات الدينية في تطوير رؤية للعلاقة بين الأديان تنطلق من الأبعاد الحضارية والثقافية، وتقوم على أساس الحوار والتعارف لا على الصدام والصراع. وأن تنأى القيادة الدينية بنفسها قدر المستطاع عن التقلبات السياسية التي تحدث بين الدول على المستوى الرسمي، حتى إذا انقطعت العلاقة الرسمية بين أطراف الصراع؛ وانعدمت الثقة بينها، قامت المنظمات والقيادات الدينية طرفاً ثالثاً تسعى لتسهيل الاتصال بين المتنازعين.
وهكذا تحقق العلاقات الدينية نوعاً من الدبلوماسية الوقائية التي تعمل على خفض درجة التوتر ومنع الصراع من الاتساع، والتقليل من التوجهات الانتقامية، وإيثار جانب الصفح والعفو.
وعلى الرغم من أن مسؤولية إنهاء الصراع يجب أن يضطلع بها جميع فئات المجتمع ومؤسساته، إلا أن قيادات الأديان بما لديها من قدرة على الإقناع والإلهام، وبما تتمتع به من احترام اجتماعي واسع، فإنها مؤهلة للتقليل من آثار الصراعات ودعم السلم المجتمعي، ولا يخفى أن دُور العبادة ظلت عبر التاريخ موئلاً يفزع إليها الخائفون طلباً للأمان والحماية.
ويُفترض أن يكون اختيار الأشخاص الذين يعملون في العلاقات الدينية ممن يتسمون بالفكر وتتوافر فيهم اللباقة والصبر، والقدرة على لغة الحديث وطرق مجاذبته، والتصرف بحكمة في سائر الأوقات، وبخاصة في الأوقات الحرجة التي تحتدم فيها الأزمات، ويشتد فيها الجدال، ويتهدد الانهيار مصير العلاقات.
وعلى المبعوث الديني أن يترك دائماً انطباعاً ودياً مقدَّرا يقرِّبه من الآخرين، وأن يتجنب الوقوع في أخطاء سوء الفهم والتصور، فلا يرسل المعاني المبهمة التي يصعب فهمها على الآخرين، ولا ينطلي عليه فهم خاطئ لرسالة جاءته من الجهة الأخرى.
فكر يبشِّر بإيجاد الأرضية المشتركة
ويتضمن المشروع الفكري للشيخ العيسى دعوته المستمرة إلى القيم الدينية والمبادئ الإيجابية، والانفتاح والابتعاد عن التعصب والانغلاق، وعدم الاستعلاء، والتحلِّي بالصدق، وكل ذلك يعزِّز الفعل التواصلي والحوار التعاوني بين القيادات الدينية.
بطبيعة الحال لا توجد أرضية مشتركة بين جميع السياقات والخطابات، ولكن هناك الكثيرون في هذا العالم من الحكماء والعقلاء ممن يسعون إلى سعادة الإنسان واستقراره. وقد أمكن عن طريق الحوار والتفاهم التوصل إلى الإجماع على نبذ كل أشكال العنف والتطرف. وهناك توجهات سياسية واجتماعية يقودها التدين في الفضاء العام، تعلي قيم «المجتمعية»، أي ما يسمونها بـ Communitarianism، والنزعة المحافظة الرحيمة في السياسات Compassionate Conservatism وهناك أيضاً ما ظهر من توافق في وجهات النظر بين المسلمين والمسيحيين، في مناسبات معينة مثل مؤتمرات السكان، على بعض القضايا.
ومن الممكن إيجاد أرضية مشتركة على قضايا إنسانية مثل العمل الخيري، والرعاية الأسرية، وحقوق الإنسان، ومشكلات البيئة والمناخ، والانطلاق إلى آفاق أوسع من التعاون والحوار البناء.
على الرغم من السلبيات التي اتسم بها التاريخ من التنازع بين الأديان، فإن هنالك أيضاً خبرة عريضة من التسامح والعيش المشترك على المستوى الثقافي والشعبي. واستطاع علماء الدين في الأديان قيادة أتباعهم إلى احترام هذا العيش المشترك الذي من شروطه الاعتراف بالآخر، والقبول به، وضمان حقه في الحياة. ولا شك في إن المسؤولية في ذلك مشتركة بين الجميع.
صحيح توجد أجواء الصدام التي تمثِّلها حروب الهوية في أكثر من مكان في العالم، غير أن دروس البشرية علمتنا أن بناء الأرضيات المشتركة إنما يكون في واقع من التحديات، ولعل أكبر التحديات وجود نموذج الصدام الحضاري الذي يريد أن يفرضه على العالم قليل ممن يستندون إلى ثقافة الكراهية والانغلاق.
معالجة خلاَّقة لبعض مشكلات التعليم
كان من اللافت إثارة مشكلات تتعلَّق بتعليم البنات في السنوات الأخيرة، وكأنَّ الأمر لا يزال محل نظر أو اجتهاد، مع أن الإسلام قد حسمه منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا. فالتعليم في المنظور الإسلامي ليس ترفًا ولا امتيازًا، بل فريضة شرعية وضرورة إنسانية لا تميّز بين رجل وامرأة.
ورغم أن هذا المبدأ تأصَّل في الفكر الإسلامي، إلا أن مسيرة التاريخ شهدت فترات من النكوص والالتباس، خاصة منذ بدايات القرن العشرين، حين ظهر في بعض المجتمعات الإسلامية تردّد في إلحاق البنات بالمدارس تحت ضغط العادات والتقاليد أو بدعوى المحافظة على الأخلاق. وارتبط ذلك بعوامل اقتصادية واجتماعية جعلت فرص التعليم محدودة لغير البنين، فكان لا بد من أصواتٍ تُعيد التذكير بأن حرمان الفتيات من التعليم ضربٌ من وأدٍ حديثٍ، وصفه بعض العلماء بـ (الوأد الأصغر).
وسوف يحفظ التاريخ لمعالي الشيخ العيسى ورابطة العالم الإسلامي واحدةً من أكثر المبادرات الدينية طموحًا في وقتنا الحاضر. فمن خلال فكر نير وحوار بناء، أقنع معاليه علماء من مختلف الأطياف الإسلامية بالانضمام إلى إجماع إسلامي حول تعليم الفتيات. وقد أتاحت له مصداقيته بصفته عالماً ومفكراً ورجل دولة عريق، وباني جسور، إزالة عقود من انعدام الثقة بين علماء الدين والناشطين والحكومات. وقد أطر القضية في إطار المقاصد العليا للشريعة - العدل، والكرامة، وحفظ المعرفة - مانحًا كل طرف لغةً مشتركة وفكرًا أصيلاً.
مواكبة الإبداع الرقمي ونظم الاتصال الحديث
ولمعاليه رؤية في العمل الإعلامي، تجسدت في نقلةٌ نوعية لإعلام الرابطة عقب تأسيس الأمانة المساعدة للاتصال المؤسسي، ومبادرته إلى الاستفادة من الإستراتيجيات الرقمية وبخاصة الابتكار الرقمي للوصول الفوري إلى الجمهور، ولتعزيز التواصل عبر المنصات الرقمية وتوليد قيمة أفضل للأداء الإعلامي.
إن المواكبة للجديد في عالم التقنيات الرقمية والاتصالية تبدأ باهتمام الفرد وقدرته على التكيُّف مع الجديد، وبهذه المواكبة استطاع الشيخ وفريقه المتميز تأسيس منصات ذات قيمة واعتبار في الفضاء الإعلامي وعلى رأسها تطبيق (منهاج) الذي اتخذ شعار من مكة إلى العالم.
ومن أبرز ما يلفت النظر في هذا التطبيق الرائد وجود برامج التعليم التفاعلي التي تمنح شهادات علمية معتمدة وإقراء القرآن الكريم بما يتيح إجازات بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى جانب حاسبة الزكاة، وحاسبة الميراث، وخدمة تحديد القبلة، والخرائط، وعدد من المشاريع الرائعة والتقنيات الذكية والخدمات المتاحة بخمس لغات حالياً، مع خطط طموحة لضم لغات أخرى وتطوير مستمر عبر ملاحظات المستخدمين وتجاربهم؛ وهو ما أكّد عليه معالي الأمين في خطابه خلال الحفل.
ولم يكن الاهتمام في إعلام الرابطة فقط بالتقنيات، وإنما بتطوير المحتوى وإعطاء أولوية لمساره الديني الثقافي والفكري المبتكر، والعناية بقضايا العالم الإسلامي وتحدياته، وعلى رأسها الوحدة الإسلامية ومسائل الحوار، مع تجنب الموضوعات الخلافية، وكل ما يفرِّق من النعرات السياسية أو المذهبية أو الطائفية.
وروعي الاهتمام بالأطر الأخلاقية المهنية والقيمية التي تنطلق أساسًا من الدين، وهي أولوية في إطار الاتصال المؤسسي الذي يعني في الجانب الأهم منه أنه غير تجاري ولا يسعى إلى إشباع فضول المتلقين وإبهارهم. ذلك أن إعلام رابطة العالم الإسلامي؛ هو إعلام منظمة عالمية غير ربحية، هدفه خدمي في المقام الأول، وفكري ثقافي وليس ترويجي أو دعائي، ومن المهم النظر إليه في هذا الإطار، وانتفاء مقارنته بالإعلام التجاري.
خاتمة
هذا غيض من فيض في مشروع فكري كبير يستحق الانتباه وإجراء المناقشات والمدارسات حوله. ولعل مما دعا إلى مقاربته شعور كاتب المقال بأن عليه ديناً ومعروفاً، لا يستطيع أن يستوفيه، ولا سيما أنه يتأهب للتقاعد من عمله في رابطة العالم الإسلامي الذي أحبه وأخلص له، ووجد من قيادة الرابطة وعلى رأسها أمينها العام كل رعاية وتعاون.
** **
د. عثمان أبوزيد - باحث وأكاديمي - مكة المكرمة