د. فوزية البكر
حينما شرفتني الزميلة الغالية الأستاذة الدكتورة نورة الشملان بإهدائي كتابها: نوف: نشر دار كلمات 2026 فرحت كثيرا لمحبتي الكبيرة للكتب التي تؤرخ لمراحل تاريخية مهمة وتتناول جوانب اجتماعية وأنثرولوجية قد يغفل عنها المؤرخون ثم يجدها الباحثون لاحقا في ثنايا بعض الكتب مثل هذا الكتاب.
وحين طلبت مني الدكتورة نورة أن أكتب انطباعاتي عن الكتاب هالني الأمر في البدء إذ لم يتسنى لي بالطبع أن أعرف سمو الأميرة نوف ولم يحدث للأسف الشديد أن قابلتها أو استمتعت بمرافقتها وتأمل العالم حولها، كما لا أعرف الكثير ممن عرفها أو عمل معها في بعض من مشاريعها الخيرية لكنني أثرت التريث والبدء في الاطلاع على محتوى الكتاب لوضع تصور مبدئي، وكم ادهشتني حلاوة التعبير وبساطته وسمو الغاية من الكتاب، إضافة إلى أنه يشمل لقطات اجتماعية خاصة يمكن تصنيفها ضمن المحتوى الأنثربولوجي مثل ذكر عادات تقديم القهوة في السعودية وطرق استقبال العائلة المالكة لزائريها والنظام المتبع في ترتيب جلوس أو ضيافة أي من الأميرات حسب السن والقرب من الملك وهكذا ص37.
كما وجدت تفاصيل ممتعة فعلا ذكرتها الدكتورة نوره اثناء مرافقتها لسمو الأميرة نوف في بعض زيارتها الخارجية وخاصة لدول الخليج والحديث أيضا عن عاداتهم في الزواج والضيافة وأنواع الأطباق المقدمة والاختلافات في طرق الطهي للأطباق المختلفة باستخدام بعض المكونات مثل الزعفران: ص 47.
وقد أسهبت الدكتورة الفاضلة في ما تلى من صفحات في تعداد مناقب سمو الأميرة نوف من حيث الشجاعة والإقدام والكرم وتقديم العطايا للمحتاجين وتوزيع الصدقات دون أن يعرف أحد، وسعيها لتشجيع الشباب ومساهمتها في دفع عجلة برامجهم كما هي المرأة الاجتماعية التي تؤدي حق الجار حتى لو كانت ابنة الملك عبدالعزيز وأخت الملوك ص69.
ولعل أحد القصص (المذهلة) التي ذكرتها المؤلفة ورسخت في ذهني هو قصتها أمام أحد أبواب المسجد النبوي (ص71) وقبل دخولها رأت امرأة تحمل طفلا وهي في نقاش حاد مع حارس المسجد الذي منعها من الدخول لأن معها طفلا فما كان من الأميرة (ولا أحد يعرف الآن أنها أميرة) إلا أن أخذت الطفل من أمه ووضعته في حجرها فذهبت الأم لأداء الصلاة ولما عادت أخرجت من جيبها عشرة ريالات وأعطتها لنوف التي أخبرتها أنها أخت الملك خالد فكاد يغمى على المرأة وهي بين مصدق ومكذب.
فليتصور القارئ الكريم حدثا بهذا الشكل المبسط إلى الدرجة التي لا يوجد فيها في تلك اللحظة أمام المسجد النبوي من يختلف عن الآخر في لباسه أو الحاشية حوله وهو ما كان بالضرورة متاحا لنوف لكنها لم تستخدمه! ثم تحدث عن الثقة المطلقة بين المسلمين الذين يؤمون المسجد إذ كيف لامرأة أن تسلم طفلها لامرأة لا تعرفها وتذهب في طمأنينة لأداء صلاتها وهي واثقة أنها ستعود وستجد طفلها مع من ائتمنتها عليه؟ هل نتصور حدوث هذا في أي بلد آخر في عصرنا الحاضر؟ ثم تصور بساطة أن ابنة المؤسس وأخت الملك تحتضن طفلا لا تعرفه لتمكن أمه من الصلاة: أقول الحمد لله على كل هذا.
فيما تلى تتحفنا المؤلفة بالحديث عن الكثير والكثير من مناقب سمو الأميرة التي أثارت خاطري فعلا للبحث أكثر عن تلك الفترة التاريخية بكل تفاصيلها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فشكرا للدكتورة نورة الشملان على هذا المجهود الكبير والذي تبعه أيضا في النسخة التي معي ما كتبه من استقطبتهم الكاتبة للكتابة عما قد يعزز نور المعرفة بهذه الشخصية الفذة التي استحقت عن جدارة تسجيل هذا الكتاب باسمها الكريم.
** **
- أستاذ الأصول الفلسفية والاجتماعية للتربية