مجيب الرحمن بن عثمان
لم أجلس بجوار أبي، بل جلست بجوار زمنٍ كاملٍ يحدّثني بصمت، وفي ملامحه وجدت ما تعجز الكلمات عن روايته؛ فقد قضيت إجازة عيد الفطر بجواره، قريبًا جدًا، حتى شعرت أنني لا أسمع حديثه فقط… بل أسمع صمته، ولا أرى ملامحه فحسب، بل أرى ما خبأته الأيام فيها.
لم تكن التجاعيد خطوطًا عابرة، بل كانت كسورًا خفيفة في ذاكرة رجل عاش كثيرًا حتى بدأت الحياة تُثقل عليه. كان يحدثني، ثم يتوقف، ثم يعود لنقطة أخرى، وكأن ذاكرته تمشي على أطراف التعب، لكن رغم ذلك كانت كلماته تصيبني بعمقٍ لا يُفسَّر. يحدثني عن شبابه، لا كحكاية تُروى، بل كأنها حياة ما زالت تسكنه، وعن أيامٍ كان فيها يسكن الجبال الشاهقة، يرعى الأغنام تحت شمسٍ لا ترحم، ويعود مع الغروب محمّلًا بتعبٍ شريف لا يعرف الشكوى، وعن أرضٍ كان يحرثها بيديه، يقلب تربتها، ويزرع فيها رزقه وصبره، وكأن كل حبة تراب كانت تشهد له بأنه رجل يعرف معنى الكفاح.
كان يقولها ببساطة، لكنني كنت أراها بعظمة: شرف العيش، أن تتعب بكرامة. ويحدثني عن أخيه، ذلك الذي كان معه في كل موقف، كتفًا بكتف، وقلبًا بقلب، يسيران في دروب الحياة الوعرة لا يلتفتان للخلف، إذا اشتدت المواقف اشتدا، وإذا دعت الحاجة كانا أول من يقف، لم يكونا يبحثان عن الشجاعة، بل كانا هما الشجاعة حين تُطلب، رجالٌ قرويون لكن بقلوب لا تعرف الانكسار، وبمواقف لا تُشترى ولا تُباع.
كان أبي معروفًا بينهم، لا لأنه الأقوى صوتًا، بل لأنه الأصدق موقفًا، رجلٌ يحمل جنبيته لا ليُرهب، بل ليحفظ كرامته، ويعرف متى تكون الشجاعة سكونًا ومتى تكون موقفًا لا يُؤجَّل، كان إذا وعد صدق، وإذا قال وفى، وإذا وقف ثبت، ولهذا لم يكن اسمه يُذكر بين أفراد القبيلة إلا مقرونًا بالثقة. ولم تكن قوته في شدته فقط، بل في تقواه، في ذلك الهدوء الذي يسبق قراراته، وفي تلك الهيبة التي لا تحتاج إلى كلمات. ثم يعود إلى صمته، وكأن كل تلك الحياة، بكل ما فيها من صخب، انتهت لتستقر في سكون وجهه.
ثم قال بصوتٍ خافت: «كنت أظن أني أعرف الحياة… حتى خرجت منها ليلة واحدة»، نظرت إليه فأكمل: «اختلفت مع أبي وخرجت غاضبًا، ظننت أن الرجولة أن تمشي وحدك، لكنني في تلك الليلة عرفت أن الوحدة ليست قوة»، ثم ابتسم ابتسامة لم تكن فرحًا بل اعترافًا متأخرًا وقال: «رجعت… لكني ما رجعت نفس الشخص». لم يحتج أن يقول أكثر، كنت أرى في صمته ما يكفي، وفي عينيه ما لا يُروى. هناك أدركت أن الرجال لا تُعرف قوتهم في لحظات الانتصار، بل في تلك الليالي التي ينكسرون فيها ثم يعودون، لا ليبرروا بل لينضجوا، وأدركت أن أبي لم يكن رجلًا لا يخاف، بل رجل يعرف الخوف ويقرر أن لا يسمح له أن يقوده، وهذا سر عمره الطويل، ليس لأنه عاش كثيرًا، بل لأنه عاش بصدق. جلست بجواره، ولأول مرة لم أشعر أنني ابنه فقط، بل شعرت أنني امتداد تجربة، وأن ما أراه اليوم في وجهه قد يكون يومًا ما وجهي أنا.
وحين نهضت من جواره، لم أشعر أنني أغادر مجلس رجلٍ مسن، بل كأنني أخرج من مدرسة لم تُغلق أبوابها بعد، أدركت أن العمر ليس ما نعدّه من سنوات، بل ما نعيشه من مواقف، وأن الرجولة ليست صلابة تُرى، بل حكمة تُفهم بعد أن تهدأ العواصف، وأن أبي لم يترك لي كلمات كثيرة، لكنه ترك لي طريقًا واضحًا، علّمني أن أكون صادقًا مع نفسي، ثابتًا حين يلزم الثبات، ولينًا حين تكون الرحمة أعلى من القوة، وكلما نظرت إلى وجهه لا أرى تجاعيد الزمن، بل أرى خلاصة عمر كُتب بعزيمة، ليقول لي بصمتٍ عميق: إن ما تراه تجاعيد ليس أثر زمن عابر، بل طبقات من التجربة تراكمت حتى صارت وجهًا، وأن بعض الأعمار لا تُروى بالكلمات، بل تُختصر في ملامح رجل عاش الحياة حتى آخرها، فكتبت نفسها عليه لتبقى، حين يعجز الكلام عن البقاء!