عادل علي جودة
يااااااه، وإيهِ يا عدنان؛ هناك في عام 1975م كان لقاؤنا الأول، هناك؛ في رحاب القدس الشريف، حيث أولى القبلتين، وثاني البيتين، وثالث الحرمين الشريفين، وتحديدًا في «مركز التدريب المهني - قلنديا»، حيث «قسم المحاسبة وإدارة المكاتب - فرع الاختزال»، الذي نهلنا فيه من حنان رئيسه صاحب القلب الكبير «الأستاذ إلياس الرشماوي»، كنا مجموعتين من الطلاب؛ مجموعة مكونة من خمسين طالبًا من أبناء قطاع غزة وأنا منهم، والمجموعة الأخرى مكونة من خمسين طالبًا من أبناء الضفة الغربية وأنت منهم، أرأيت يا صديقي؟ هكذا يُراد لنا أن نكون مبعثرين مقسَّمين؛ بين الغالبية التي أخذها «الشتات»، ومن بقي على قيد الحياة في «الداخل الفلسطيني أو الخط الأخضر» بعد نكبة عام 1948م، ثم «قطاع غزة»، و»الضفة الغربية»، بعد النكسة التي حلّت عام 1967م، أقصد بعد احتلالهما من قبل عدو شرس وُجِدَ ليكون فوق القانون، لم يدخل أرضًا إلا وعاث فيها قتلًا، وتدميرًا، وإفسادًا، وشيئًا فشيئًا راح يتمدد فيها حتى أقام دولته على ما يزيد على 80 % من فلسطين، ولم يزل يُلاحِق مَنْ تبقّى مِن شعبنا الصابر المحتسب لإخراجه من ما تبقّى من أملاكه، هكذا جرت الأمور وهناك شيءٍ اسمه «الضمير الإنساني» يشهد، وشيء آخر أيضًا اسمه «الأمم المتحدة» توثق كل مشهد ليأخذ مجراه ليصبح واقعًا لا مفر منه، لكن هيهات وعلى وجه الأرض عرق فلسطيني ينبض.
هنالك يا صديقي على مقاعد الدراسة التقينا على امتداد سنتين مكثفتين من الدراسة الداخلية الجادة الملتزمة، تتلمذنا فيهما على أيدي مدربين عالميين لم تزل عيونهم تهامس عيوننا، وقلوبهم تزرع فينا الجدّيّة والالتزام، وتؤازرنا بمداد الهمة والعطاء، وإنه لفخر لي أن أزين هذا الركن بأسمائهم بحسب ما تسعفني به ذاكرتي المتعبة؛ الأستاذ رمضان العُمَري، والأستاذ كارلوس بندك، والأستاذ نجيب كرم، ومس جورجيت خبيص، والأستاذ إبراهيم الترك، والأستاذ جبر الزبيدي، والأستاذ علي فارس؛ عليهم جميعًا؛ الأحياء منهم والميتين، السلام والرحمة من رب العالمين، وجزاهم عنا خير ما يجازي به عباده الصالحين.
هناك يا صديقي؛ أمام عينين ساهرتين عنوانهما مدير المعهد «الأستاذ نبيه عوض» الذي جمع بين صلابة الشخصية، وحزم الإدارة، ودقة المتابعة من جهة، ورقة القلب، وسعة الصدر، ورحابة الفكر، من جهة أخرى.
هناك؛ جمعتنا طاولة واحدة بدُرْجٍ لي وآخر لك، على امتداد اثنين وعشرين شهرًا بواقع ثمانِي ساعات يوميًّا لم يكن يُسمح لنا فيها التحدث بغير اللغة الإنجليزية.
هناك؛ يا «عدنان» لم تكن بالنسبة لي الأقربَ من حيث المكان وحسب، إنما أيضًا كُنْتَ الأقربَ لي فكرًا وروحًا، واتزانًا، والتزامًا.
مضى بنا الوقتُ، تجاوزنا كل الصعاب، وحطمنا كل العقبات، وفي عام 1977م تخرَّجنا معًا حاملين أعظم شهادة، ومسلحين بالمهارة العتيدة الناجعة في مجالي المحاسبة والإدارة، ثم معًا خطفتنا الغربة لنسكن حضن معشوقتنا (الرياض)، وبقينا على تواصلنا بضع سنوات، ثم أخذتنا مسؤوليات أعمالنا، فغلبنا الغياب ما يقارب الأربعين عامًا.
إلا أن نبضات اللقاء الأول وذكرياته الممزوجة بالصبر والتحدي جمعتنا من جديد في يولية 2025م في أرض النشامى؛ في أردننا الغالي، وتحديدًا في محبوبتنا (عمّان)، وها هو لقاء اليوم يتجدد هنا على ثرى هذه الأرض الطيبة؛ في محبوبتنا (الرياض) العامرة بشهامة أهلها، واليقين يملؤنا أن اللقاءات بحول الله لن تنقطع، بل ستمتد حتى تتحقق اللقاءات المنشودة بعد اندحار الاحتلال البغيض عن أرضنا بحول الله أولًا ثم بهمة شعبنا وبسالة أبطاله الأشاوس؛ تارة في (غزة الإباء والصمود)، وأخرى في ربوع (قدسنا الحبيب)، وثالثة في غاليتنا (طولكرم)، ورابعة على ثرى مهجة القلب (إسدود)، وخامسة، وسادسة، وعاشرة، في كل بقعة من أرضنا المقدسة.
فالسلام عليك يا صديقي الغالي، والسلام على ذكريات بهيجة نقَشتْ جمالها في أذهاننا رغم ما مررنا به من معاناة، والسلام على أحبتنا الذين سكنوا قلوبنا ولهم علينا فضل عظيم، والسلام على الرجل الطيب «أبو معن»؛ عميد الطباخين في الميز والعاملين من خلفه وتحت إمرته.
السلام على «مركز التدريب المهني»؛ بكل فروعه وأقسامه، ومسرحه، وصالاته، وجدرانه، والعاملين فيه، ولَكَم أبهج قلبي ما علمته مؤخرًا أنه أصبح فيما بعد صرحًا جامعيًّا يحمل اسم «كلية المجتمع»، والسلام على مَنْ تخرجوا منه قبلنا، ومَنْ تخرَّجوا معنا، ومن تخرجوا بعدنا.
أخي الحبيب عدنان الحافي؛ يا أبا علاء، يا ابن طولكرم الماجدة؛ لقد سعدنا أيما سعادة بك وبحرمك المصون في هذا المساء الماطر العاطر؛ مساء السبت 4 إبريل 2026م، وكما هي الحال دومًا؛ ساعات الهناء تمضي كطرفة عين، لنعاود الترقب من جديد للقاء بحول الله قريب.
سبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك.
** **
- كاتب وشاعر فلسطيني