د. محمد عبدالله الخازم
قبل نحو عشرين عامًا، أُسِّست السنة التحضيرية في جامعة الملك سعود، ثم قلَّدتها جامعات أخرى. حينها طُرحت تساؤلات عدة: لماذا السنة التحضيرية؟ وكيف ستُنفَّذ؟ والأهم: هل تمثِّل مؤشراً على فلسفة أكاديمية تعليمية تتبناها الجامعة؟
كانت أبرز الإجابات تشير إلى وجود نسبة مرتفعة من التسرّب والتعثّر بين طلاب الجامعة، وما يترتب على ذلك من هدر أكاديمي واقتصادي كبير. كما قُدِّمت السنة التحضيرية بوصفها وسيلة لمواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، من خلال تضمينها مقررات تُنمِّي المهارات وتصقل شخصية الطالب الجامعي. وكذلك، السير وفق التوجهات العالمية الحديثة في التعليم الجامعي.
الآن تتم العودة إلى القبول المباشر للكليات، بناءً على قرار مجلس الجامعة الأكاديمي. هذا التغيير، دليل على عدم استقرار السياسات التعليمية وربما غياب الإطار الإستراتيجي المستدام. وهو الأمر الذي يؤثِّر على وضوح الهوية الأكاديمية، التي من خلالها يمكن القول «هذا ما يميّز جامعة الملك سعود عن غيرها عبر الزمن...».
وللتوضيح، البحث عن هوية مستقرة ومميزة لا يعني رفض التحولات المرحلية/ الإجرائية، بل يشير إلى إطار عام مستقر عبر عقود من الزمن. فعلى سبيل المثال، عندما يُستشهد بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بوصفها أحد النماذج المحلية المستقرة إستراتيجيًا، نجد أن إطارها الأكاديمي العام ظل متماسكًا على مدى خمسة أو ستة عقود، ولم تتخلَّ عن رؤيتها وفلسفتها الأكاديمية لمجرد الاستجابة للضغوط المجتمعية أو الاقتصادية أو الإدارية.
إلغاء مفهوم السنة التحضيرية الذي كانت تراهن عليه الجامعة، وقبول الطلاب مباشرة في البرامج أو الكليات التي يرغبون فيها، قوبل بترحيب أو رفض من البعض، بدافع عاطفي في المقام الأول أو انطباعي، إن جاز التعبير. غير أن الجامعة لم توضح حيثيات هذا القرار بقدر كافٍ: هل انتفت مبررات السنة التحضيرية؟ هل فشلت التجربة؟ أم صعب عليها إدارة التغيير نحو الفلسفة التعليمية التي كانت تطمح إليها الجامعة؟
الواقع أن التغييرات الهيكلية الأكاديمية تتجاوز السنة التحضيرية، حيث مرت -وربما لا تزال- جامعة الملك سعود بالعديد من التغييرات الجذرية في هياكلها الأكاديمية خلال الثلاثة عقود الماضية، أثَّرت على هويتها وهيكلها الإستراتيجي المستدام. لذا هي بحاجة إلى إثارة ومواجهة الأسئلة الصعبة المتعلقة بحاضرها ومستقبلها. تذكروا، كل لديه أفكار ومقترحات، لكن الأسئلة قبل الأجوبة. يهمنا السؤال، لماذا وكيف وفق البراهين العلمية!
يبدو لي، دون الخوض في التغييرات أو أسبابها، أن الجامعة بحاجة لرؤية واضحة للحاضر والمستقبل. جامعة الملك سعود، رُسم لها حلم من قبل القيادة العليا لتكون ضمن الطليعة محلياً وعالمياً وهي تزخر بكم وافر من النخب والكفاءات، لذلك هي مطالبة بمناقشة ومشاركة توجهاتها المتعلقة بهويتها ورؤيتها المستقبلية ذات العلاقة بمخرجاتها وبالتحولات التعليمية والتنموية على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي. مع التذكير، الحلول المجزأة لا تصنع هوية، وفلسفة الجامعات لا تُبنى على ما يطلبه الجمهور أو قدرة الإداري على اتخاذ القرار، بل على عمق معرفي وعلمي وفكري وفلسفي راسخ، تسنده الأدلة العلمية والدراسات الموضوعية.