د.عيد بن حجيج الفايدي
في هدنة تمتد لأسبوعين، لا يكمن المعنى في توقف السلاح، بل في ما إذا كانت هذه الهدنة بداية خروج من مسار الحرب أو مجرد استراحة محارب و فجوة تُعاد فيها صياغة أدوات الصراع، فالتجارب تُظهر أن الهدن كثيرًا ما تحولت إلى توقفات تكتيكية، تُلتقط فيها الأنفاس لا لتغليب الحكمة، بل لإطالة أمد المواجهة.
ولهذا، تصبح الهدنة الحقيقية فرصة لإعادة التفكير في منطق الصراع ذاته، لا في أدواته فقط. فالهدنة التي لا توقف إنتاج الخطابات المحرّضة، وارسال الصواريخ والطائرات المسيرة ولا تعالج الانحرافات الفكرية التي تُغذي النزاع، تبقى هشّة وقابلة للانهيار. إذ لا يستمر أي صراع دون رواية تبرّره أو ذاكرة تعيد إنتاجه. ومن دون تفكيك هذه المنظومة، يظل توقف النار مجرد إجراء مؤقت.
وعندما تُستثمر الهدنة كبداية لمسار مختلف، يمكن تخيّل عالم تُدار فيه الخلافات بالحكمة، وتُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على البناء لا التدمير. فالحروب لا تدمّر العمران فقط، بل تسرق الزمن وتؤجل التنمية، وكل هدنة لا تكسر هذا المسار تُسهم في تمديده.
وفي عالم تُترجم فيه الهدنة إلى سلام مستدام، تتحول ميزانيات الدول من سباقات التسلّح إلى سباقات المعرفة، ويصبح الاستثمار في الإنسان هو الضامن الحقيقي للأمن. كما تعيد المجتمعات الخارجة من الصراع تشكيل وعيها بالآخر، فتتراجع سرديات العداء وتنمو مساحات الثقة ..أما التقنية والبيئة، اللتان دفعتا أثمانًا باهظة للحروب، فتجد اأ في الهدنة فرصة للتحرر والتعافي، حين تُوجَّه الموارد نحو تحسين جودة الحياة بدلًا من أدوات الهدم.
ومع ذلك، فإن الانتقال من هدنة إلى «لا حرب» ليس مسارًا تلقائيًا، بل عملية تتطلب بناء الثقة، واحترام السيادة، ومعالجة جذور الأزمات. فالسلام ليس غياب الرصاص، بل حضور العدالة، ووجود مؤسسات قادرة على إدارة الخلاف دون أن تنزلق إلى العنف.
إن «هدنة بلا حرب» رؤية تتطلب شجاعة الاعتراف والتنازل وبناء مستقبل لا تحكمه ذاكرة الصراع. وكل هدنة لا تُستثمر في هذا الاتجاه تبقى مجرد استراحة محارب و تأجيل للحرب، لا خطوة نحو إنهائها.