عمرو أبوالعطا
يشهد النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين تحولات عميقة تتقاطع فيها الصراعات الإقليمية لتشكل تهديدات عالمية متعددة الأوجه، حيث ظهر التوتر المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة كأحد أبرز التحديات القادرة على إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية.
ويمتد السؤال إلى ما هو أبعد من حدود الشرق الأوسط ليطرح احتمال أن يكون هذا الصراع مدخلاً لحرب أوروبية شاملة في ظل تحالفات دولية متغيرة وأدوار متنامية لقوى مثل روسيا والصين، وهو ما يستند إلى فهم ترابط الساحات الجيوسياسية، إذ يتحول أي اضطراب كبير في منطقة حيوية إلى تأثير دومينو يمتد إلى أوروبا، فارضًا على صناع القرار تجاوز التحليل الإقليمي الضيق نحو رؤية شمولية مترابطة.
شهدت العلاقات الروسية الإيرانية تحولاً من البراغماتية إلى شراكة استراتيجية شاملة، توجت باتفاقية طويلة الأمد في يناير 2025 تشمل التعاون الدفاعي والاقتصادي والسياسي، وقد تبلور هذا المسار مع تدهور العلاقات الروسية الغربية منذ 2014 والتدخل الروسي في سوريا عام 2015، حيث شكلت الساحة السورية نقطة ارتكاز لتكامل عسكري وأمني بين البلدين، يتجلى في تبادل التقنيات العسكرية، فإيران تزود موسكو بالطائرات المسيرة التي لعبت دورًا بارزًا في حرب أوكرانيا، بينما تقدم روسيا أنظمة دفاع جوي وصواريخ متقدمة، في إطار استراتيجية مشتركة تستهدف تقويض الهيمنة الغربية.
تظهر الصين كشريك اقتصادي محوري لإيران، عبر اتفاقية التعاون الاستراتيجي الممتدة لخمسة وعشرين عامًا، والتي تجمع بين الاقتصاد والأمن والبنية التحتية، حيث توظف بكين علاقتها بطهران لإشغال واشنطن في الشرق الأوسط وتحويل تركيزها بعيدًا عن مناطق النفوذ الآسيوي، دون الانخراط العسكري المباشر، مكتفية بدعم سياسي واقتصادي يعزز قدرة إيران على الصمود، بما يحقق للصين مكاسب استراتيجية بأقل تكلفة ممكنة.
على الجانب الأوروبي، أدى تدهور العلاقات بين الناتو وروسيا منذ ضم القرم عام 2014 ثم الحرب في أوكرانيا عام 2022 إلى إعادة تموضع عسكري واسع في شرق أوروبا، وهو ما خلق بيئة جيوسياسية هشة، حيث ترى موسكو في أي انشغال غربي في الشرق الأوسط فرصة لتخفيف الضغط عنها، بل وربما اختبار تماسك الناتو عبر تحركات محدودة في مناطق مثل البلطيق أو بولندا، بما قد يفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب نحو مواجهة أوسع.
تشكل الطاقة محورًا حاسمًا في هذا المشهد، إذ تمثل منطقة الخليج شريانًا رئيسيًا لإمدادات النفط والغاز، وقد أدى التصعيد العسكري إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد نتيجة المخاوف من انقطاع الإمدادات، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم والتباطؤ الاقتصادي العالمي.
تواجه أوروبا في هذا السياق احتمال أزمة طاقة جديدة أكثر تعقيدًا من أزمة 2022، حيث تعتمد بشكل كبير على واردات الغاز، خاصة من قطر بعد تقليص الاعتماد على روسيا، وأي اضطراب في الخليج يهدد هذه الإمدادات ويؤثر على الصناعات الأوروبية الثقيلة، خصوصًا في ألمانيا، مما يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي وتوترات اجتماعية داخلية تضعف الجبهة الأوروبية.
في المقابل، تستفيد الصين نسبيًا من اضطراب أسواق الطاقة عبر حصولها على النفط بأسعار تفضيلية من روسيا وإيران، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية في مواجهة الاقتصادات الغربية التي تعاني من التضخم، رغم بقاء الاقتصاد الصيني عرضة لمخاطر اضطراب التجارة العالمية.
تتجلى ملامح التصعيد العسكري في ضربات جوية استهدفت منشآت إيرانية، تبعتها ردود متعددة الأشكال، من إغلاق مضيق هرمز إلى تفعيل أدوات الحرب غير المباشرة عبر الحلفاء الإقليميين، واستهداف الملاحة الدولية، إلى جانب الهجمات السيبرانية، وهو ما يعكس انتقال الصراع إلى مستويات مركبة تتجاوز المواجهة التقليدية.
غير أن أخطر السيناريوهات يتمثل في انتقال التصعيد إلى أوروبا، حيث قد يؤدي أي دعم روسي مباشر لإيران إلى تعزيز عسكري للناتو في الشرق، وزيادة الاحتكاك بين الطرفين، مع احتمالات وقوع حوادث تتطور إلى صراع أوسع، خاصة في مناطق حساسة تاريخيًا وجغرافيًا، في ظل سعي موسكو لاختبار التزام الحلف بمبدأ الدفاع الجماعي، سواء عبر تحركات عسكرية محدودة أو عبر أدوات الحرب الهجينة من هجمات سيبرانية وتضليل إعلامي ودعم حركات انفصالية.
يتعمق هذا الخطر مع استنزاف الموارد العسكرية الغربية، إذ تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى استهلاك كبير للذخائر وأنظمة الدفاع، ومع انخراط الولايات المتحدة في صراع مع إيران، يتحول جزء من هذه الموارد إلى الشرق الأوسط، مما يضعف الدعم المقدم لكييف ويمنح روسيا فرصة لتعزيز مكاسبها أو تصعيد عملياتها.
وفي هذا الإطار، يصبح انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط عاملًا مضاعفًا لاحتمالات المغامرة الروسية في أوروبا، سواء عبر التصعيد في أوكرانيا أو اختبار حدود الناتو أو دعم الاضطرابات الداخلية في أوروبا، مستفيدة من تراجع القدرة الأمريكية على الرد السريع، وهو ما يعيد إنتاج نمط تاريخي قائم على استغلال لحظات الانشغال الاستراتيجي.
يتجاوز الخطر البعد العسكري ليطال بنية النظام الدولي ذاته، إذ يؤدي انهيار قواعد مثل حرية الملاحة واحترام السيادة إلى فتح المجال أمام قوى أخرى لتغيير الواقع الجيوسياسي في مناطق نفوذها، بما في ذلك احتمال تحركات صينية أكثر جرأة في آسيا، وهو ما يعزز حالة الفوضى وعدم اليقين.
ضمن هذه المعطيات، يظهر سيناريو الاستنزاف متعدد الجبهات كأحد أكثر المسارات ترجيحًا، حيث تتوزع الصراعات بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، بما يرهق القوى الكبرى ويشتت قدراتها، وتتحمل أوروبا العبء الأكبر عبر أزمات الطاقة واللاجئين والانقسامات الداخلية وتراجع القدرات الدفاعية.
كما يؤدي تآكل الردع في الشرق الأوسط إلى تأثيرات ممتدة، إذ يشجع أي نجاح إيراني في فرض واقع جديد على خطوات روسية أكثر جرأة في أوروبا، وربما مواقف صينية أكثر حدة في آسيا، بما يفتح المجال أمام تشابك أزمات عالمية متزامنة.
في المقابل، يتشكل نمط أقرب إلى حرب باردة جديدة ذات جبهات ساخنة، حيث تتجنب القوى الكبرى المواجهة المباشرة لكنها تنخرط في صراعات بالوكالة وحروب اقتصادية وسيبرانية، وهو ما ينعكس على أوروبا عبر انقسامات سياسية وسباق تسلح وتزايد التدخلات الخارجية.
في ضوء ذلك، تكتسب فرضية تحول صراع الشرق الأوسط إلى مدخل لأزمة أوروبية واسعة قدرًا كبيرًا من الوجاهة، إذ تكشف الترابطات العسكرية والاقتصادية عن هشاشة التوازن الدولي، وتضع المجتمع الدولي أمام تحدي إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، عبر دبلوماسية نشطة وتنسيق دولي قادر على احتواء التصعيد، في عالم لم تعد فيه الصراعات محلية، ولا تداعياتها قابلة للاحتواء داخل حدود الجغرافيا.