د.شامان حامد
الهدنة التي لا تُعالج جذور الحرب ليست إلا وصفة طبية مُسكّنة لجسد يحتاج إلى جراحة، تُلخص بوضوح مشهد الثامن من أبريل 2026؛ حيث يقف العالم على أطراف أصابعه بانتظار ما ستسفر عنه هدنة الأسبوعين، التي يصفها الرئيس ترمب بيوم السلام العالمي، وتصرّ طهران على ردها بأن «الأيدي لا تزال على الزناد»، وكأن مسافة السكة المصرية قد حضرت بفراعينها بالرد الإيراني في هذه المسافة الضيقة فيما بين التفاؤل والوعيد، ليطلّ التاريخ برأسه ليذكرنا بأن الهُدَن في الشرق الأوسط غالباً ما تكون استراحة مُحارب لإعادة التلقيم، لا لبناء السلام.
وما بين الرماد والمفاوضات، يكون الواقع الميداني مُهتز، كما في تهدئة أبريل بعد تصعيد غير مسبوق؛ من إغراق فرقاطات في المحيط الهندي إلى قصف مخازن الوقود في قلب طهران وإغلاق شريان الطاقة العالمي بمضيق هرمز. غير أن المفارقة الصارخة تكمن في ازدواجية المشهد؛ فبينما يبارك الوسطاء الهدنة، كانت سماء بيروت في صبيحة اليوم ذاته تمطر ناراً بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان خلّفت مئات الضحايا، في تأكيد واضح على أن نطاق الهدنة لا يزال محل نزاع؛ هل هي شاملة كما يراها «حزب الله»، أم مجزأة كما تمارسها إسرائيل؟.
وهناك دروس من ذاكرة الرماد، فعند إسقاط هذا الواقع على مرآة التاريخ، نجد أنفسنا أمام نماذج مكررة، من نموذج كوريا 1953 وهدنة «مؤقتة» استمرت 70 عاماً بدافع الخوف من الانزلاق النووي. وهو ما نراه اليوم؛ حيث يدفع الرعب من المواجهة الكبرى الأطراف للجلوس، لا الرغبة في الحل.. ونموذج لبنان 2006 وقرار (1701) وذلك الفشل الذريع في آليات الإنفاذ، فالهُدَن التي تفتقر لسلطة قوية تفرض الثمن على الخروقات كما كان حال اليونيفيل تتحول إلى إذن مؤجل بالتسلّح، ولا ننسى نموذج غزة المتكرر والهدوء مقابل التحسينات المعيشية، وهو نمط أثبت فشله لأنه يعالج الأعراض ويتجاهل المرض السياسي الجذري.
إن هدنة أبريل 2026 تفتقر حتى الآن إلى «الروح السياسية» التي ميزت هُدنة أكتوبر 1973، كما أشار إليها مقال د. إبراهيم جلال فضلون بصحيفتنا الجزيرة سابقاً، والتي تحولت لمسار سلام حقيقي. المؤشرات الميدانية، من استمرار القصف في لبنان إلى رفع الجاهزية في غزة، تشير إلى أننا قد نكون أمام «تنويم مغناطيسي سياسي» يهدف لتفريغ جبهات من أجل الانفراد بأخرى.
إن الأسبوعين القادمين لن يكشفا فقط عن قدرة الهدنة على الصمود، بل سيكشفان ما إذا كان المجتمع الدولي قد تعلم أن الهُدَن التي لا تُتبع بقرارات شجاعة ليست سوى «فاصل زمني» بين فصلين من الدم. التاريخ لا يرحم من يعيد أخطاءه، والهدنة الحالية، بلا جراحة حقيقية للجذور، ستبقى مجرد مسكّن مؤقت لجسد يغلي.