عقيل وساف
في ظل أحاديث مستمرة عن مصاعب حقيقية تواجه المقترح الباكستاني لوقف الحرب ورفضه من واشنطن وطهران، ومع تجديد الإدارة الأمريكية تهديدها بنسف البنية التحتية في إيران وتأكيدها أن الإيرانيين مستعدون للتضحية بمنشآت الطاقة ثمناً لحريتهم، تبرز تساؤلات كبيرة حول ما إذا كان خيار التصعيد حتمياً. وهل يمنح المقترح الباكستاني فرصاً لتفادي هذا الخيار؟ مع إعادة صياغة محددات وتوافقات بعد الوضع المعقد الذي بلغته الحرب، لاسيما فيما يتعلق بفتح مضيق هرمز ومطالب الرسوم الإيرانية؟
يُعد المقترح الباكستاني أول وثيقة تقدم تصورات لجملة من الحلول بشأن وقف إطلاق النار ومضيق هرمز. ومع ذلك، تشير القراءات التحليلية إلى أن هذه الورقة رُفضت كما رآها الإيرانيون، حيث تقدمت طهران بتصور مختلف تماماً. وتتلخص الورقة الباكستانية باختصار في بندين أساسيين: افتحوا المضيق لتتوقف الحرب، مع أرجاء الحديث عن التعويضات والقضايا الأخرى. غير أن هذا التصور يبدو غير مقبول إيرانياً، حيث تطرح طهران نقاطاً تستند إلى تصورها منذ بدء الحرب، تتضمن شقاً اقتصادياً يتمثل في التعويضات وإلغاء العقوبات، وشقاً أمنياً يضمن عدم فرض حرب جديدة عليها مستقبلاً.
لا تعول طهران كثيراً على القانون الدولي في حمايتها، فقد أثبتت التجربة بحسب طهران أنه لم يمنع اندلاع الحرب، بل تعول بالأساس على قدراتها الميدانية. وفي محور هذا التعويل يبرز «مضيق هرمز» كأهم ضمانة لعدم الاعتداء. وتؤكد الرؤية الإيرانية أن الخروج من هذه الحرب لا يمكن أن يحدث بشكل مجتزأ لساحة دون أخرى، بل يجب أن يكون إقليمياً شاملاً ينهي كل الجبهات. حيث لم يعد المضيق مجرد ورقة ضغط عابرة كما يُفهم في الخارج، بل تحول إلى «طاولة الحوار» ذاتها كما تزعم طهران التي لن تتراجع عنها طهران إلا بضمانات.
على الجانب الآخر، تبرز وجهة النظر الأمريكية التي ترى أن الإيرانيين يريدون إنهاء النزاع مع الاحتفاظ بالسيطرة على مضيق هرمز وفق قواعدهم، وهو ما يُعد انتهاكاً للقانون الدولي. وتعد واشنطن أن مطالبة إيران برفع العقوبات دون تقديم تنازلات ملموسة في البرنامج النووي أو البرامج الصاروخية هي مطالب غير قابلة للتطبيق وتكريس لحالة من الابتزاز، مما يجعل الأمور تتجه إلى تدخلات الوساطة لحلحلة العقد.
فبالرغم من ارتفاع سقوف المطالب، يُعتقد أن ما يجري عملياً وراء الأبواب المغلقة يختلف. فقد منحت إيران أولوية لملفات رفع العقوبات واسترداد الأموال المجمدة. وتبرز أهمية الوساطة الباكستانية في أن من يقودها فعلياً يمتلك خطوط تواصل مفتوحة مع المؤسسات الأمنية والعسكرية في كل من واشنطن وطهران، مما يخلق مساحة لفهم لغة الطرفين. إضافة إلى ذلك، جرى في الأيام الماضية تفكيك جزئي لمسألة المضيق عبر ترتيبات بين إيران ودول مشاطئة، وجهود فرنسية سمحت بمرور عدد من الناقلات، مما ساهم في كسر حدة التشدد. وعلى الصعيد العسكري، وصلت الحرب إلى نقطة استنزاف كبيرة، سواء من حيث الخسائر المادية والبنية التحتية، أو التكلفة السياسية وصورة الردع، وهو ما قد يدفع نحو المرونة. إلا أن هذه الوساطة تواجه تحديات عميقة: أولها التباعد الشاسع في المواقف، وثانيها افتقار الوسيط لأوراق ضغط فعلية، وثالثها الغياب التام للثقة.
رسوم الحماية الإيرانية الجديدة
لقد ظهرت مسألة أخرى وهي استيفاء إيران لرسوم حماية أو تأمين من السفن العابرة للمضيق. وفي حين سوقت طهران للأمر بزعم على أنه ترتيبات أمنية لضمان عدم استخدام الممر المائي لدعم المجهود الحربي ضدها، قوبل هذا الطرح برفض قاطع من الولايات المتحدة. يُنظر إلى هذا المقترح على أنه سابقة خطيرة تمنح إيران حقوقاً قانونية غير مسبوقة للتحكم في شريان الطاقة العالمي، وهو تغيير جيوسياسي جذري ترفض أمريكا ذلك، معتبرة أن المضيق لا يمكن أن يكون تحت سيطرة إيران وحدها. في الوقت ذاته، تبرز مشاكل التفاوض للعيان. فبينما يرى البعض ضرورة الانطلاق من القضايا البسيطة وتجزئة الملفات المعقدة وصولاً إلى بناء الثقة، تصر طهران على الحل الشامل والرزمة الواحدة. وقد أدى فشل المقاربة الشاملة إلى لجوء الوسطاء للبحث في التجزئة، لكن تفكيك الملفات يصطدم بتعنت الأطراف وتمسكها بـ»الخيار الصفري»، إما أخذ كل شيء أو لا شيء.
وتتكرر التهديدات الأمريكية بتدمير قطاع الطاقة والبتروكيماويات كلياً لتجرع إيران كأس الاستسلام، في حين تعتمد طهران إستراتيجية «المقاومة القصوى» والرد المستمر. ويعتقد مراقبون أن سياسة التهديد وضرب البنى التحتية المدنية والاقتصادية لا تدفع الخصم للاستسلام، بل تؤدي إلى توحيد الصف الداخلي. ففي الحروب اللاتماثلية، يمتلك الطرف الأقوى التكنولوجيا والتفوق الجوي، بينما يستغل الطرف الآخر الجغرافيا والمساحة ومحدودية تمركزه لاستنزاف خصمه وإطالة أمد الصراع.
إن دفع الخصم نحو زاوية يخسر فيها كل مقدراته المدنية والاقتصادية يُعد من أخطر الإستراتيجيات، لأنه يجرده من أي شيء يخاف خسارته، مما يدفعه لتوسيع دائرة الاستهداف «أفقياً» لتطول أهدافاً بعد أن استنفد خصمه خيارات التصعيد. وقد أظهرت الأيام الماضية قدرة طهران على توجيه ضربات إستراتيجية رغم التفوق الجوي لخصومها.
وتتهم واشنطن طهران بانتهاك حرية الملاحة، بينما ترد الأخيرة بأن القانون الدولي ضدها وبداية الحرب الاقتصادية التي شلت البلاد. وتشير التحليلات إلى تحول المضيق إلى الورقة المتكافئة الوحيدة بيد طهران.
ومع المهلة الزمنية، يتحدث خبراء عن احتمالات التوصل لتسوية في اللحظات الحرجة. فظهور خطابات تلمح إلى «النصر» من كلا الطرفين في التوقيت ذاته قد يكون إشارة تفاوضية كلاسيكية بقرب إنجاز اتفاق خلف الكواليس، فالأطراف عادة لا تعلن النصر وتتحدث عنه في الداخل إلا إذا اقتربت من خط النهاية.
في المحصلة، تقف المنطقة على مفترق طرق حاسم: إما الانصياع لمنطق التهدئة تلافياً لاستمرار الحرب التي كلفت مليارات الدولارات والذهاب نحو تأسيس مسار دبلوماسي يراعي الحقائق الجيوسياسية ومصالح جميع الأطراف، أو الاستمرار في دوامة الحرب والتصعيد، وهو مسار سيدفع الجميع، إقليمياً ودولياً، أثماناً باهظة في استقرارهم واقتصادهم.