د. رانيا القرعاوي
في أوقات الأزمات، لا تكون السرعة دائمًا هي الأفضل، بل قد تكون مخاطرة.
ففي منطق إدارة الأزمات، القيمة الحقيقية لا تكمن في نشر المعلومة أولًا، بل في نشرها مكتملة، دقيقة، وفي توقيت يحمي أثرها. لأن المعلومة الناقصة، خصوصًا في أسواق حساسة كقطاع الطاقة تُربك أكثر مما تُطمئن.
ومن هذا المنطلق، جاء بيان وزارة الطاقة الأخير. والذي لم يأتِ متعجلًا، ولم يُصغ بلغة رد الفعل، بل جاء بعد فترة من الاستهدافات، ليقدم صورة شاملة، دقيقة، ومكتملة، بلا نقص.. وبلا تهويل. وهنا تحديدًا، تبدأ الحكاية.
البيان لم يكن مجرد توثيق لأضرار، بل إعادة تعريف لمفهوم أمن الطاقة في لحظة حرجة من التوترات الجيوسياسية.
فحين تُستهدف منشآت إنتاج ونقل وتكرير النفط والغاز، وتتعطَّل عمليات تشغيلية في مرافق رئيسية، وتُسجَّل خسائر مباشرة تُقدّر بفقدان نحو 700 ألف برميل يوميًا من خط أنابيب شرق-غرب، وانخفاض إضافي يصل إلى 600 ألف برميل يوميًا من الطاقة الإنتاجية..
نحن هنا لا نتحدث عن حدث محلي، بل عن اختلال في توازن سوق عالمي.
السؤال الجوهري الذي يطرح هنا ليس: ماذا حدث؟ بل: ماذا لو أُعلن هذا البيان في ذروة الضربات؟
الإجابة واضحة:
كانت الأسواق ستضطرب، وكانت الأسعار سترتفع بعنف، وكان القلق سيقود المشهد بدل الحقائق.
لكن توقيت نشر البيان، جاء في توقيت محسوب، بعد قراءة دقيقة للمشهد، ليؤكد أمرين في آنٍ واحد:
أولًا: حجم التحدي.
وثانيًا: قدرة المملكة على التعامل معه دون الإخلال بالتزاماتها تجاه الأسواق العالمية.
وهنا تتجلَّى الرسالة الأعمق أن أمن الطاقة ليس مفهومًا اقتصاديًا فقط، بل مسؤولية تمتد آثارها إلى استقرار الاقتصاد العالمي بالكامل. فوفقًا لتقارير وكالة الطاقة الدولية، فإن أي انقطاع مفاجئ في الإمدادات -even بنسبة 1 % فقط-
قد يؤدي إلى تقلبات سعرية تتجاوز 10 % في الأسواق العالمية.
كما تشير بيانات U.S. Energy Information Administration إلى أن هامش الأمان في المخزونات العالمية أصبح أكثر هشاشة، ما يضاعف حساسية الأسواق لأي اضطراب مفاجئ. وهنا، لا يعود الحديث عن المملكة فقط، بل عن سلاسل إمداد عالمية باتت أكثر عرضة للاهتزاز.
لكن وسط كل هذه الأرقام، هناك جانب لا يجب أن يُختزل. البيان لم يغفل البعد الإنساني، بل تطرق إلى استشهاد أحد منسوبي الأمن الصناعي، وإصابة آخرين.. ليذكِّرنا أن استهداف الطاقة ليس استهدافًا لمنشآت، بل استهداف لأرواح تعمل في الخطوط الأمامية لأمن الإمدادات.
وهنا يأتي دور الإعلام الذي عليه أن لا يتوقف عند نقل البيان.. وإعادة صياغة أرقامه. فالإعلام السنع، في مثل هذه الأزمات، مطالب بأن يتجاوز النقل إلى تأطير الرسالة، وأن لا يتناول القضية فقط في حجم الأضرار، بل في إبراز ما يعكسه الموقف من قدرة المملكة على حماية استقرار الإمدادات العالمية، والوفاء بالتزاماتها، رغم التحديات.
كما أن من واجب التناول الإعلامي أن يعيد توجيه النقاش نحو الدور المحوري للمملكة في أمن الطاقة العالمي، بوصفها أحد أهم اللاعبين في استقرار الأسواق، وصمام أمان في مواجهة التقلبات.
الإعلام السنع هنا لا يضخم، ولا يبرر، بل يوازن بين نقل الحدث كما هو، وبين تقديمه في زوايا الاستقرار العالمي وموثوقية الإمدادات إلى جانب تسليط الضوء على المسؤولية التي تتحمَّلها المملكة في هذا الملف الحيوي.
لأن الاكتفاء بالنقل.. يختزل القصة، أما التناول الواعي.. فيكشف معناها الحقيقي. ويوضح أن نقص الإمدادات، يؤدي بلا شك إلى تقلبات قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
فالبيان لا يجب أن يقرأ بأنه مجرد إعلان أضرار، بل رسالة واضحة للعالم:
أن استقرار أسواق الطاقة ليس أمرًا مضمونًا، وأن استمرار التصعيد لا يهدد دولة بعينها، بل يهدد توازنًا عالميًا كاملاً.
ويبقى السؤال:
هل يقرأ الإعلام هذه الرسالة كما هي؟