د. إبراهيم بن جلال فضلون
التكنولوجيا ليست سوى رافعة لتحريك العالم، لكن ذكاء اليد التي تمسك بهذه الرافعة مرهونٌ اليوم بمدى قدرتها على توفير الطاقة اللازمة لتحريكها، فحينما تصطدم إرادة الإنسان ببرودة الخوارزمية، وتتشابك الرؤى الجيوسياسية بأسلاك «السيليكون»، تنشأ حتماً كيمياء جديدة للسلطة؛ لا حدود جغرافية لها بقدر اعترافها بمدى القدرة على «رقمنة» السيادة. وكما قال بيتر دراكر: «إن الخطر الأكبر في أوقات الاضطراب ليس الاضطراب نفسه، بل العمل بمنطق الأمس».
ونحن في بداية الربع الثاني 2026، لا نقف أمام مجرد طفرة تقنية، بل نعيش مخاضاً يعيد تعريف «الإستراتيجيا والقوة» في ظل مستقبل تكنولوجي غامض، يتسم بـ»التعقيد المتداخل»؛ حيث لم يعد برميل النفط مجرد وقود للمصانع، بل أصبح الوقود الحقيقي لمراكز البيانات التي تُغذي عقول الذكاء الاصطناعي، لكون السؤال الأهم ليس مَن يملك السلاح الأقوى؟ بل: مَن يملك «النموذج» الأكثر ذكاءً وقدرة على التكيف وسط ضبابية اليقين المؤجل؟ إننا نعيش لحظة تاريخية يتقاطع فيها «الاقتصاد المادي» مع «الخيال التكنولوجي» في علاقة جدلية لم نشهدها من قبل، فموازين القوة الإستراتيجية تشهد اليوم تحولاً دراماتيكياً؛ فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد «أداة» بل أصبح «فاعلاً» يعيد رسم خرائط النفوذ.
هذا الغموض التكنولوجي خلق حالة من «التوازن الهش»، حيث يمكن لابتكار خوارزمي واحد أن يجهض إستراتيجيات دفاعية كلفت المليارات، بخطط ردع كبرى ما هي إلا مجرد حبارير باردة على ورق البيروقراطية، حيثُ تُشير التقديرات الحالية إلى أن استهلاك مراكز البيانات حول العالم قد يتجاوز 1000 تيراواط/ساعة، وهو ما يعادل استهلاك دول بأكملها، وارتفاع أسعار الطاقة الأحفورية التي لا تزال تغذي جزءاً كبيراً من شبكات الكهرباء العالمية، وكذلك فواتير تشغيل الخوادم بنسب تراوح بين 20 و35 في المائة والسبب الطاقة والنفط التي وصل برميلها لأكثر من 115 دولاراً للبرميل. لذا جاء تخصيص ميزانيات ضخمة بأكثر 635 مليار دولار للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مما جعل القوة في القرن 21 تكمن في سرعة معالجة البيانات، لا في حجم الجيوش، محولةً الساحة الدولية إلى «مصفوفة» كبرى يتصارع فيها الجميع على «السيادة الرقمية». إن هذا الصعود المذهل للآلة يحمل في طياته خطراً داهماً يتمثل في «تآكل الهوية الأصيلة». فبينما تتسابق الشركات لتطوير نماذج أسرع، اشتعلت حرب موازية في الخفاء؛ حرب «التزييف المعلوماتي» التي يقودها الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتي تهدد بانهيار الثقة الرقمية. فبرز «الإنسان الإحصائي» الذي يفكر بمعدلات الاحتمالات لا بنبض الإبداع الفردي. وكأننا نشهد تراجعاً في «البصمة الثقافية» الأصيلة؛ فالمصمم الذي يستلهم من تراثه، والمحلل الذي يقرأ ما بين السطور بحدسه الإنساني، باتوا يذوبون في «المتوسط الحسابي» للخوارزمية. وهي مُقايضة تضعنا أمام خيار مرّ: (إما كفاءة تقنية بلا روح، أو أصالة بشرية مهددة بالإقصاء الاقتصادي)، إذ تُشير تقارير الأمن السيبراني لعامي 2025 و2026 إلى أن إنتاج مواد «التزييف العميق» (Deepfakes) تضاعفت بنسبة مذهلة تتجاوز الـ 900 في المائة عما كان عليه قبل سنوات قليلة، وقد تلاعبت بأسعار الأسهم العالمية عبر نشر أخبار وتقارير كاذبة تبدو وكأنها صادرة عن جهات رسمية، فضلاً عن تزييف بصمات الصوت للاحتيال المالي، ليقع سوق الدفاع الرقمي موازياً لها بقيمة قد تصل بهذه القطاع لمليارات الدولارات كضرورة حتمية لحماية أمن الشركات والدول.
لقد علقت أميركا في شباك «أوهام الذكاء الاصطناعي العام» (AGI)، وصولاً إلى «لحظة التفرد» التقني التي جعلها تفرط في التفاؤل ببرامج «مشروع مانهاتن للذكاء الاصطناعي»، متجاهلةً حقيقة أن التفوق الإستراتيجي الحقيقي قد لا يكمن في امتلاك «النموذج الأوحد»، بل في قدرة الخصوم (مثل الصين) على «تشتيت» الابتكار ونشره بسرعة تفوق قدرة البنتاغون على السيطرة. فالحوائط النارية التي كانت تحمي الأسرار القومية باتت عاجزة أمام هجمات «الأسراب الذكية» منهيةً عصر «الدفاع الساكن» ومدشنةً عصر «الحرب السيبرانية المستمرة». يواصل عمالقة التكنولوجيا تلطيخ وعينا الجمعي بـ حبارير من المعلومات الزائفة والذكاء الاصطناعي المشوه، غير مكترثين بتآكل الهوية الإنسانية أو ضياع الحقيقة في دهاليز الخوارزميات الصماء، ولعل «أبل» في عيدها الخمسين تمثل النموذج الأبرز لهذا التحدي؛ فالشركة التي غيرت وجه العالم بالآيفون، تجد نفسها اليوم في مواجهة «أجهزة بلا شاشات» ويجبرها على إعادة ابتكار فلسفتها في الخصوصية والتحكم وسط عالم يرفض «الحدائق المغلقة». وكما قال العالم الشهير تشارلز داروين في مقولته التي لخصت فلسفة البقاء، والتي تنطبق اليوم على الشركات والدول على حد سواء: «ليست الكائنات الأقوى هي التي تبقى، ولا الأكثر ذكاءً، بل هي تلك الأكثر استجابة وتكيفاً مع التغيير».
إن الإستراتيجيا في زمن الغموض ليست مجرد قراءة للمستقبل، بل هي شجاعة المواجهة مع المجهول؛ كما أن الدمج بين تكلفة الطاقة المرتفعة، والتسارع التقني غير المنضبط، وحروب المعلومات يضع قادة الأعمال أمام حقيقة واحدة لا يمكن تجاوزها؛ التمسك بالإستراتيجيات القديمة في هذا العصر هو انتحار بطيء، لتظل «الحكمة البشرية» هي الضمانة الوحيدة لئلا تتحول القوة إلى قيد، والتكنولوجيا إلى سجنٍ بلا قضبان. إن من ينجح في إدارة هذا التفوق دون فقدان هويته، هو وحده من سيكتب الفصل الأخير في رواية الإنسان والآلة.. كما قال ليون سي ميرغنسون في تلخيصه لفلسفة التطور: «ليس الأقوى من الأنواع هو الذي يبقى، ولا الأكثر ذكاءً، بل الأكثر استجابة وتكيفاً مع التغيير».