د. رنا بنت عبدالله الغامدي
في سياق تقييم جودة حياة الطالب الجامعي، يتجه العالم اليوم إلى ما هو أبعد من «سمعة الجامعة»، نحو قياس «تجربة الطالب» ورضاه، عبر مسوحات وتصنيفات متخصصة تعتمد بشكل مباشر على أصوات الطلاب وبيانات الخدمات المقدمة لهم منذ الالتحاق حتى التخرّج.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض الجامعات الكبرى تُحقق التميّز في كلا المسارين معاً، غير أن الفجوة بينهما في حالات كثيرة باتت واقعاً موثقاً لا يمكن إغفاله.
تقارير جوائز رضا الطلاب العالمية لعام 2025، مثل Global Student Satisfaction Awards، تُظهر بوضوح أن الجامعات التي تتصدر مؤشرات جودة حياة الطالب والتجربة اليومية استنادًا إلى مراجعات فعلية للطلاب ليست هي نفسها دائمًا الجامعات المتربعة على قمة تصنيفات السمعة الأكاديمية والبحثية مثل تصنيف QS أو Times Higher Education، وهو ما يكشف عن فجوة حقيقية بين «جامعة مرموقة على الورق» و»جامعة مُرضية في عيون طلابها».
على سبيل المثال، في تحليل الاستبيان الوطني لآراء الطلاب في المملكة المتحدة للعام وهو مسح سنوي يستطلع آراء أكثر من 300,000 طالب في السنة الأخيرة ويُعدّ أحد أدق أدوات قياس التجربة الطلابية في العالم 2025، جاءت جامعة Bishop Grosseteste في صدارة الجامعات البريطانية من حيث نسبة رضا الطلاب الإيجابية، حيث بلغت نحو 90.7 % من إجمالي الإجابات. ورغم أنها غير مصنّفة في ترتيب عالمي متقدم ضمن تصنيفات Times Higher Education World University Rankings لعام 2025، إلا أنها تُعد من أفضل الجامعات في تجربة الطالب في نفس العام. وهذه الجامعة تنتمي إلى فئة مؤسسات متخصصة تنصبّ جهودها على التجربة التدريسية وثقافة الانتماء، مما يجعلها نموذجاً لافتاً للفجوة القائمة لا مجرد استثناء.
وفي منظومة الالتحاق الجامعي في الولايات المتحدة، تلعب مؤشرات رضا الطلاب دورًا محوريًا في قرار الالتحاق، إذ يعتمد الطالب بدرجة كبيرة على تصنيفات موجهة لتجربة الطالب أكثر من اعتماده على التصنيفات البحثية العالمية. وتُعد مؤشرات مثل Princeton Review وNiche من أبرز الأدوات المستخدمة في هذا الإطار، إذ تركّز على جودة التدريس، والدعم الأكاديمي، والحياة الجامعية، والخدمات الطلابية، ومستوى الرضا العام، وتحظى بثقة واسعة بين الطلبة وأولياء الأمور لأنها تعكس التجربة الفعلية داخل الحرم الجامعي.
هذه الأمثلة الدولية تؤكد أن صوت الطالب تحوّل إلى عنصر حاسم في تنافسية الجامعات عالمياً.
ثمة منهجيات بحثية دولية أثبتت جدارتها في قياس تجربة الطالب، يمكن الاستناد إليها عند بناء أي إطار وطني. تتصدر هذه المنهجيات أداةُ NSS البريطانية، وهي استبيان سنوي يستطلع آراء طلاب السنة الأخيرة ويقيس جودة التدريس والتقييم والدعم الأكاديمي والرضا الكلي. وفي السياق الأمريكي، يبرز نموذج NSSE الذي يركز على قياس عمق الإشراك الأكاديمي ومستوى تفاعل الطالب مع أعضاء الهيئة التدريسية. أما على الصعيد الدولي الأوسع، فتعمل أداة Student Barometer التابعة لمؤسسة i-graduate في أكثر من خمسين دولة، وتتميز بقياسها للفجوة بين توقعات الطالب قبل الالتحاق وما يجده فعلياً بعده. وفي السياق العربي والخليجي تحديداً، طُبِّق نموذج SERVQUAL المُكيَّف للتعليم العالي في دراسات محكّمة عديدة، إذ يرصد الفجوة بين الخدمة المتوقعة والخدمة المُقدَّمة عبر خمسة أبعاد: الملموسية، والموثوقية، والاستجابة، والضمان، والتعاطف.
ويُضاف إلى هذه الأدوات مفهوم «رأس المال الطلابي» (Student Capital) الذي يُفسّر لماذا لا تنعكس الجودة الأكاديمية بالضرورة على التجربة المُعاشة: فالطالب يبني تجربته عبر تكامل رأسماله الاجتماعي والأكاديمي والنفسي داخل المؤسسة، وهو مفهوم بات محورياً في أبحاث التعليم العالي لا سيما بعد عام 2020 .
وعند الانتقال إلى المشهد السعودي، وعلى الرغم من أن أغلب الجامعات تطبق استبيانات مركزية لقياس رضا الطلبة، تحت مسمى «استبانة الخدمة الجامعية» أو «الحياة الجامعية»، إلا أن أثر هذه الجهود يظل محدودًا ما لم تُبْنَ على إطار وطني موحد يضمن اتساق القياس وقابليته للمقارنة بين الجامعات المحلية. فوجود أدوات قياس داخلية وإن كانت مهمة لا يكفي وحده لصناعة صورة واضحة عن تجربة الطالب على مستوى القطاع، ما لم تُترجم نتائجها إلى مؤشرات معلنة، شفافة، وقابلة للاطلاع العام.
وتكشف الدراسات المحكّمة التي تناولت جودة الخدمة في جامعات سعودية -كدراسة Sohail الجزيرة Hasan (2021) التي شملت عشر جامعات سعودية- عن فجوات في أبعاد الاستجابة والبنية التحتية والخدمة الإدارية تحديداً، مما يؤشّر إلى أن التحدي لا يقتصر على جودة المحتوى الأكاديمي، بل يمتد إلى منظومة التجربة المُحيطة بالطالب.
ومن واقع تجربتي في العمل القيادي بالجامعة وقربي من الطلبة، أجد أن الفجوة بين ما تعكسه التصنيفات وما يعيشه الطالب لا تظهر في المؤشرات والاستبيانات العامة، بل في تفاصيل يومية تعكس جودة التجربة والحياة الجامعية، تبدأ من بيئة الحرم الجامعي وتمتد إلى قاعة المحاضرة وسهولة الوصول إلى الخدمات وجودتها، لتنعكس في النهاية على شعور الطالب ذاته وهو ما يُعرف اليوم في أدبيات التعليم العالي بـ»الانتماء الطلابي»، ذلك المفهوم الذي تصاعدت أهميته في السنوات الأخيرة، ويعبّر عن الفارق بين طالب يشعر بالتقدير والانتماء، وآخر يشعر بأنه مجرد رقم في منظومة كبيرة.
لذلك فإن الإعلان عن نتائج استبيانات التجربة أو الحياة الجامعية لا يمثل فقط أداة تحسين داخلية، بل يُعد عنصرًا حاسمًا في تمكين الطالب من اتخاذ قرار الالتحاق بالجامعة على أسس واقعية، لا تقتصر على البرامج الأكاديمية أو السمعة البحثية، بل تمتد لتشمل جودة التجربة الجامعية الفعلية. كما أن توحيد خط أساس وطني لقياس تجربة الطالب سيسهم في إيجاد بيئة تنافسية صحية بين الجامعات، ويمنح الطلبة وأولياء الأمور أداة موثوقة للمفاضلة، ويحوّل صوت الطالب من مؤشر داخلي صامت إلى معيار معلن يؤثر في تشكيل مستقبل التعليم الجامعي.
ولتحقيق ذلك يمكن المضي في مرحلتين: أولاً، تجريب المؤشر على عيّنة من عشر إلى خمس عشرة جامعة سعودية لاختبار أداة القياس وضبط مؤشراتها وفق السياق المحلي، ثم التعميم الوطني التدريجي بالتنسيق مع وزارة التعليم ومجلس شؤون الجامعات، واعتماد النتائج في آليات تمويل الجامعات وتقييمها.
الخلاصة
في عالم يتنافس فيه التعليم العالي على استقطاب الطالب لا على التصنيف فقط، ستصبح تجربة الطالب معيارًا إستراتيجيًا لا يقل أهمية عن السمعة الأكاديمية والبحثية. إن سدّ الفجوة بين ما تقوله التصنيفات وما يعيشه الطالب لم يعد خيارًا، بل ضرورة لضمان استدامة الجامعات وجاذبيتها. هذا الفراغ يفتح نافذة إستراتيجية للجامعات السعودية وعمادات شؤون الطلاب لتطوير مؤشر وطني موحد لجودة حياة الطالب الجامعي يستلهم منهجيات NSS وPrinceton Review وNiche، لكنه مخصص للسياق السعودي ويعتمد على استبيانات دورية لطلاب الجامعات السعودية، ويمكن تسميته «مؤشر جودة الحياة الجامعية السعودي» وبذلك تنتقل جامعاتنا من موقع المتلقي للتصنيفات العالمية إلى موقع المبادر الذي يصنع معيارًا محليًّا منافسًا يستخدم عمليًا لتحسين دورة حياة الطالب الجامعي ويتقاطع مباشرة مع رؤية المملكة 2030 في جعل الإنسان محور التنمية وجودة الحياة.