د.عبدالله بن موسى الطاير
المتطرف عدو نفسه، ويداك أوّكتا وفوك نفخ، هذا ما يمكن قوله لليمين الحاكم، فللمرة الأولى منذ أكثر من عقدين يتعاطف عدد أكبر من الأمريكيين مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين. أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في مارس 2026 أن 60 في المائة من البالغين الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، وترتفع هذه النسبة إلى 70 في المائة بين الأمريكيين دون سن الخمسين. هذا التسارع في فقدان الرأي العام الأمريكي ليس مجرد تقلبات عابرة، بل مؤشر على انهيار الإجماع الداخلي الأمريكي الذي بدأ في عهد الرئيس الأمريكي لندن جونسون ورعته الآلة الإعلامية الأمريكية التقليدية حتى استقام على سوقه.
شيّد التحالف الأمريكي - الإسرائيلي، وما يسمى «العلاقة الخاصة» على فكرة دولتين ديمقراطيتين، تربطهما القيم، تتكاتفان في وجه الفوضى والتخلف. أمكن تسويق هذه الفكرة لعقود؛ لأن السواد الأعظم من الشعب الأمريكي اشتراها. فهل ما زال البيع رابحا؟
راهن بنيامين نتنياهو رهانات مدروسة على مدى العقد الماضي على دمج صورة إسرائيل مع اليمين الأمريكي، وكانت المكاسب قصيرة الأجل هائلة، أما التكلفة طويلة الأمد، فقد حان وقت قطافها. ينظر 80 في المائة من الديمقراطيين اليوم إلى إسرائيل نظرة سلبية، وبينما لا يزال الدعم الجمهوري هو الركيزة الأقوى، إلا أنه الآخر مسّه الوهن، حيث انخفضت الآراء الإيجابية 15 نقطة في عام واحد، وأصبحت غالبية الجمهوريين دون سن الخمسين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية.
فجوة الأجيال هي سلاح الدمار الشامل الذي يفتك بسمعة إسرائيل في أمريكا، وقد يتمكن جيل الشباب الأمريكي من كلا الحزبين سريعا من تخليص تلابيب السياسة الأمريكية من قبضة تل أبيب. في عام 2018م أيّد 65 في المائة من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما إسرائيل، وقد تبدل الحال اليوم لينحدر هذا الرقم إلى حوالي 23 في المائة. هذه ليست مثالية شبابية ستخف حدتها مع التقدم في السن، وإنما إعادة لتشكيل المواقف السياسية حول أحداث محورية، وبالنسبة لهذا الجيل، فإن الحدث المحوري هو 18 شهرا من الدمار الذي بُثّ على شاشات التلفاز في غزة، وليس حرب الأيام الستة أو المحرقة. هؤلاء الشباب سيكونون أعضاء مجلس الشيوخ والنواب، والمانحون، والناخبون خلال عشر إلى عشرين عاما.
الركن الشديد الذي يستند إليه ساسة اليمين الإسرائيلي هو المسيحية الإنجيلية، وهناك عمل دؤوب لمحاولة إعادة ضبط الاصطفاف الديني، فنسبة 65 في المائة من البروتستانت الإنجيليين البيض مؤيدون لإسرائيل، وكذلك 64 في المائة من اليهود الأمريكيين؛ وهما الفئتان اللتان تحظى فيهما إسرائيل بدعم الأغلبية. المطب الذي يؤرق مؤيدو إسرائيل هو أن هاتين الفئتين أكثر انقساما مما توحي به الأرقام الإجمالية؛ فالإنجيليون الشباب يبتعدون عن الأطر الدينية التي جعلت إسرائيل مقدسة لدى آبائهم، واليهود الأمريكيين، من جانب آخر، يميزون بشكل جلي بين الدولة وحكومتها، فنسبة 56 في المائة منهم لا يثقون بنتنياهو، و37 في المائة فقط يعترفون أنهم صهاينة.
أمريكا ليست واحدة بالنسبة لإسرائيل فهناك فئة أخرى يتعاظم عددها وهم غير المنتسبين للأديان الذين ينظر 78 في المائة منهم لإسرائيل نظرة سلبية، ومعهم 76 في المائة من البروتستانت السود، وكذلك يفعل 65 في المائة من الكاثوليك؛ أرقام ونسب تشير إلى أن تحالف المؤيدين الأمريكيين لإسرائيل يشيخ ويتقلص ويتفكك وبسرعة كبيرة.
ما تغفله النخب الأمريكية الصديقة لإسرائيل هو حقيقة أن انتقاد سياسة الحكومة الإسرائيلية ليس معاداة للسامية، وهو ما يفنده تكر كارلسون وعدد من الناشطين المحافظين الأمريكيين. لطالما كان هذا الخلط بينهما إستراتيجية مقصودة لحماية إسرائيل من المساءلة، لكنها تفشل في عهد شبكات التواصل الاجتماعي، ليس لأن معاداة السامية قد اختفت، بل لأن الشباب الأمريكي يرفضون ببساطة هذا الخلط الساذج، ويعتبرون أن الإصرار على خلاف ذلك يسيء إلى عقولهم. الأسوأ، أن الإمعان في استخدام معاداة السامية درعا سياسيا يقلل من شأنها ويصيب منطقها بالوهن مع الوقت.
لا أحد من متابعي هذه العلاقة يتوقع انهيار التحالف في القريب المنظور، فالبنية المؤسسية من مساعدات عسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وحق النقض في مجلس الأمن راسخة، وتصعب زحزحتها. يضاف إلى ذلك أن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) لا تزال تتمتع بنفوذ قوي في الكونغرس، إلا أن عهد التمويل غير المشروط يوشك على الأفول؛ سيتجه المرشحون الديمقراطيون، وبعض شباب الجمهوريين بشكلٍ متزايد إلى تبني برامج تركز على التوازن بدلا من الدعم غير المشروط.
أتوقع، أنه في غضون عقد إلى عقدين من الزمن، ستتحول العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من رابطة مقدسة إلى شراكات أمريكية مثلها مثل الشراكة مع تركيا أو المملكة؛ علاقات مهمة، ونفعية، وخاضعة للمساءلة. بل إن الميزان يميل لكفة الشراكة الأمريكية - السعودية والأمريكية - التركية على حساب العلاقة مع إسرائيل، لأن الشراكة مع السعودية وتركيا مربحة بينما هي مكلفة ماديا وأخلاقيا مع إسرائيل.