د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
أشاد المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول بالاستجابة السريعة التي أبدتها السعودية في مواجهة أزمة الطاقة الحالية الناتجة عن أزمة مضيق هرمز، خصوصاً أنه يمر منه أكثر من 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات حوالي 20 % من الاستهلاك العالمي، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الغاز المسال، وأغلب هذه الصادات تأتي من السعودية والعراق والكويت وإيران وقطر والبحرين والإمارات، حيث يربط المضيق بالأسواق الآسيوية والعالمية.
يمثل المضيق صمام أمان للطاقة العالمي، وهو ضمن 12 ممراً ومضيقاً بحرياً تكتسي أهمية كبيرة في حركة التجارة العالمية والطاقة، وإن تفاوت وزنها من ممر إلى آخر، لكن يعتبر ممر هرمز أهم ممر لموارد الطاقة في العالم، لأنه منفذ رئيسي لصادرات نفط وغاز دول الخليج.
التهديدات الأمنية أو أي توتر خصوصاً الناتجة عن الهجمات الإيرانية على دول الخليج بلا مبرر، وبأفق محدود، فقط من أجل الضغط على ترمب لوقف الحرب على إيران، أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، خصوصاً في ظل بدائل محدودة مثل خط كركوك - جيهان عبر تركيا لنقل النفط، لذلك حذر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول الدول من مغبة الاستسلام لرغبة تخزين النفط والوقود، وصرح لصحيفة فاينانشيال تايمز حث جميع الدول على عدم فرض حظر أو قيود على الصادرات، فهذا أسوأ وقت ممكن بالنظر إلى وضع أسواق النفط العالمية، وسيعاني شركاؤهم التجاريون وحلفاؤهم وجيرانهم نتيجة لذلك، ولم يذكر اسم الصين التي تعد الدولة الكبرى الوحيدة التي حظرت تصدير البنزين والديزل ووقود الطائرات رداً على الحرب، في حين فرضت الهند رسوماً إضافية على الصادرات، وطالب بيرول هذه الدول الكبرى بإعادة التفكير في أي حظر، طالت أيضاً تلميحات للولايات المتحدة حيث تدور شائعات حول احتمال حظر صادرات الوقود المكرر مع تجاوز أسعار البنزين حاجز الأربعة دولارات للغالون، رغم أن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت استبعد حتى الآن حظر صادرات النفط الخام فقط.
يرى بيرول أن هذه الخطوات التي تقوم بها بعض الدول التي تضيف إلى مخزوناتها الحالية اعتبره عملاً غير مفيد، وفي هذا الوقت على جميع الدول أن تثبت أنها عضو مسؤول في المجتمع الدولي، حتى لا تقوض جهود وكالة الطاقة الدولية بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة لاستقرار الأسواق.
فيما أشاد بيرول بالسعودية التي نجحت في تأمين تدفقات النفط للعالم عبر حلول لوجستية استراتيجية تجاوزت بها حصار مضيق هرمز، ونجحت في توجيه أكثر من ثلثي صادراتها النفطية عبر خط أنابيب شرق غرب وصولاً إلى البحر الأحمر متجاوزة بذلك مضيق هرمز، معتبراً أن تحرك السعودية كان حاسماً في وقت حرج وضمان تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، حيث تتابع وكالة الطاقة الدولية 72 من أصول الطاقة في المنطقة من حقول وأنابيب ومصاف تبين أن ثلثها تعرض لدمار شديد أو شديد جداً.
أزمة مضيق هرمز ستعيد تشكيل نظام الطاقة العالمي تماماً كما فعلت أزمات السبعينيات وأزمة أوكرانيا 2022، وهناك رؤيتان رؤية لوكالة الطاقة الدولية التي تتنبأ بنهضة نووية جديدة، وطفرة في السيارات الكهربائية، ودفع قوي نحو المتجددات، لكن وكالة الطاقة الدولية تفصل بين النفط والغاز، وتطالب صناعة الغاز أن تعمل بجد لاستعادة سمعتها كمورد موثوق بعد هزتين في أربع سنوات.
بينما تتمحور رؤية دول أوبك بلس بقيادة السعودية لتشكيل نظام الطاقة العالمي بعد أزمة هرمز، حول ضرورة تأمين سلاسل الإمداد الملاحية، مع السعي لزيادة إنتاج النفط لتهدئة الأسواق المشتعلة التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، فقررت أوبك بلس ممثلة في الدول الثماني في أوبك بلس التي تضم السعودية وروسيا والعراق والإمارات والكويت وكازخستان ونيجيريا والجزائر وفنزويلا في اجتماعها الخامس والستين عبر تقنية الاتصال المرئي في 5/4/2026 زيادة في الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يومياً في مايو 2026 من إجمالي كميات التعديلات الإضافية الطوعية البالغة 1.65 مليون برميل يومياً، التي أعلن عنها في أبريل 2023، ويمكن إعادة إنتاج 1.65 مليون برميل يومياً جزئياً أو كلياً، بما في ذلك إلغاء التعديلات الطوعية السابقة والبالغة 2.2 مليون برميل يومياً وفقاً لتطورات السوق، وبشكل تدريجي، خصوصاً في ظل إعادة منشآت الطاقة المتضررة إلى كامل طاقتها عملية مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً، وقفز سعر خام برنت إلى أعلى مستوى له في أربع سنوات، مقترباً من 120 دولاراً للبرميل.
لطالما استعدت السعودية لأسوأ السيناريوهات على مدى عقود، وبالفعل بعد الضربات الأمريكية - الإسرائيلية على إيران والتي أسفرت عن إغلاق مضيق هرمز الحيوي، سارعت أكبر دولة مصدرة للنفط الخام في العالم إلى تفعيل خط طوارئ خطة انتظرت 45 عاماً لتدخل حيز التنفيذ بهدف الحفاظ على تدفق نفطها عبر خط تم بناؤه في ثمانينات القرن الماضي، ورفع صادرات النفط من ميناء ينبع إلى أكثر من أربعة أضعاف مستويات ما قبل الحرب التي كانت تقل عن 800 ألف برميل يومياً.
وأصبح اليوم عنصراً محورياً في تطورات الصراع بالشرق الأوسط، وهو صمام أمان حيوياً لتخفيف الضغوط المتصاعدة على إمدادات النفط العالمية، وهو بمثابة قوة الذراع اللوجستية السعودية، قدمت السعودية نفسها كعامل استقرار في السوق تمتلك بديلاً مهماً، وجود بديل ساعد على تهدئة الأسواق، لأنه يطمئن المشترين بأن صادرات المنطقة ليست محاصرة بالكامل، والسعودية قادرة على إيجاد بدائل أخرى، كما سعت بعد الثورة الخمينية 1979 إلى إيجاد بدائل استراتيجية لمضيق هرمز، وقد تم توسيع قدرة الخط في التسعينيات لتصل إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً مع إمكانية رفعها لاحقاً إلى 7 ملايين برميل، يبقى مضيق هرمز خطراً وجودياً، وكذلك باب المندب، تمتلك السعودية بدائل أوسع، وتدرس استراتيجياً مد أنابيب نفط عبر الأراضي اليمينة إلى بحر العرب كخيار آخر بديل لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات التقليدية، خصوصاً بعدما شكل خط الأنابيب الشرقي الغربي ضربة استراتيجية بارعة، ووفقاً لصحيفة فاينانشال تايمز من بين الخيارات المطروحة إعادة إحياء الممر الاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة ويربط الهند بأوروبا مروراً بالخليج، والمعروف باسم IMEC إلا أن المشروع كان يتضمن في الأصل خط أنابيب يصل إلى ميناء حيفاً، لكن السعودية تطالب أولاً بتحقيق الدولة الفلسطينية لتحقيق هذا المشروع.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقاً