د. تنيضب الفايدي
تغطي أرض الوطن الشاسعة آثارٌ متعددة، منها ما يبدو واضحاً على الأرض، ومنها ما استتر بطبقات من الأرض، ويعتبر الكاتب جميع المواقع الأثرية كنزاً من الكنوز لا تقدَّر بثمن؛ لأنها نوعٌ من الثقافة الوطنية التي تبرز ما قامت به الأمم السابقة سواءً قبل الإسلام أو في صدر الإسلام أو بعد الإسلام، وقد تتبع الكاتب مواقع المطارَدين من قِبل خلفاء وأمراء الدول الإسلامية، لذا وجدت مواقع متخفية بعيدة عن حكام الدول الإسلامية منها: ينبع النخل، وسويقة (هناك عدة مواقع تسمى سويقة) منها: بمكة المكرمة والمدينة المنورة وفي ينبع وبالقرب من السيالة في الطريق النبوي إلى بدر)، والعريض بالمدينة المنورة. كما أن هناك مواقع للمطارَدين من الأمويين من قِبل حكام الدولة العباسية مثل: (ذو خشب بين المليليح والمندسة، والمندسة شمال المدينة بالقرب منها) وبه سدٌ أموي ومجموعة من المباني الأثرية، كما أن ضفاف وادي العقيق ملئت بالقصور الشهيرة يرجع أغلبها لنسل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد أهملت هذه القصور من المئة الثانية للهجرة واندثرت زمن الدولة العباسية، كما أن هناك مواقعاً لها ارتباط ببعض الخلفاء الراشدين مثل: رواوة حيث أن هذا الموقع له علاقة بسلسلة من أبناء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكانت رواوة بادية آل الخطاب ومصيفهم، وتقع رواوة إلى الجنوب من المدينة وتبعد عنها حوالي 40كم جنوباً شرق الطريق السريع الذي يربط بين المدينة جدة مكة، وهو ما يسمى قديماً بدرب الغائر والذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته، ويضم الموقع جبلين يطلق عليهما السكان محلياً اسم (حلية رواوة)، ويتكونان من صخور نارية ذات لون أسود تنتشر عليها نقوش إسلامية.
وقد حددها أحد المؤرخين قائلاً: (رواوة عبارة عن منخفض غائر في مرتفع جبلي يسمى الحلية أو جبل رواوة) ومنخفض رواوة نقطة تجمع مياه الأمطار والسيول، وهو عبارة عن غدير ويدفع الفائض من الماء إلى وادي العقيق، وكانت رواوة معروفة منذ زمن قديم، وهي جزءٌ من حمى وادي النقيع.
وقد ذُكرت رواوة من قِبل عدد من المؤرخين حيث ذكرها الحموي في كتابه معجم البلدان، كما ذكرها الفيروزآبادي في المغانم المطابة: رواوة أودية بين الفرع والمدينة، ووصف البكري غدير رواوة بقوله: (ولايُرى قعر هذا الغدير أبداً ولايفارقه الماء)، كما ذكر البكري بأنها ضمن حمى النقيع، الذي يعتبر متبدَّى للناس ومتصيَّد. متبدّى أي: بادية للناس يقضون فيه فترة الربيع، ومتصيَّد: أي: يتم صيد الغزلان وغيرها فيما يحيط برواوة من أودية وجبال.
وقد خلد كثيّر عزة رواوة حيث ذكرها في شعره، وذِكرُ كثيّر عزة رواوة دليلٌ على أنها كانت عامرةٌ في يوم من الأيام ومعروفة بين الناس، حيث يقول:
أمِن طَلَلٍ أقْوَى مِنَ الحَيَّ مَاثِلُهْ
تُهيّجُ أحْزَانَ الطَّروبِ منازلُهْ
بكَيْتَ، وما يُبكِيكَ مِنْ رَسْمِ دْمِنَةٍ
أضرَّ بِهِ جَوْدُ الشَّمالِ ووابلُهْ
سَقى الرَّبْعَ مِنْ سَلْمى بنَعفِ رُوَاوَةٍ
إلى القَهْبِ أَجْوَادُ السَّمِيّ ووابلُهْ
وانْ كَانَ لاسُعْدى أَطَالَتْ سُكُونَهُ
ولا أهْلُ سُعْدى آخِرَ الدَّهرِ نازلُهْ
وإِنِّي لأَرْضَى مِن نَوالِكِ بالذي
لوَ ابْصَرَهُ الواشي لقرَّتْ بلابلُهْ
وقال كثيّر أيضاً:
وغيَّر آياتٍ ببرقِ رُوَاوةٍ
تنائي اللَّيالي والمدى المتطاولُ
ظللْتَ بِها تُغضي على حدِّ عَبْرَةٍ
كأنك من تجريبِكَ الدَّهرَ جاهلُ
وقال أيضاً يمدح بهذه القصيدة عبد العزيز بن مروان والي مصر (65-85) والد عمر بن عبد العزيز وأخو عبد الملك بن مروان، وكان وليّ عهده، فذكر رواوة وخاخ:
أَقْوَتْ رُوَاوَةُ مِنْ أَسْمَاءَ فالسَّنَدُ
فالسَّهْبُ فَالقَاعُ مِنْ عَيْرَينِ فالجُمُدُ
فَعَرْشُ خَاخٍ قَفَارٌ غَيْرَ أنَّ بِهِ
رَبْعاً أَقَامَ بِهِ نُؤْيٌ وَمُنْتَضَدُ
وقال ابنُ هرمةَ:
حيِّ الدِّيارَ بِمنشدٍ فالمنتضى
فالهضبِ هضبٍ رُواوتين إلى لأي
ورواوة مليئة بالنقوش الإسلامية، حيث ظهرت الكتابات المنقوشة على الصخور على شكل مجموعات، إما على واجهة صخرية واحدة أو متفرقة على عدد من الصخور، وهذه النقوش عبارة عن أسماء أغلبها تنتسب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه مثل: زياد بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب... إلخ، وأسماء أخرى تنتسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث سكنت رواوة من قِبلهم. فالموقع عبارة عن مكتبة متكاملة من النقوش الإسلامية، وتعود غالبية النقوش الإسلامية في موقع رواوة إلى القرنين الأول والثاني الهجريين، وقد كتبت بالخط المدني الحجازي غير المنقوط. وتعد هذه المجموعة أكبر مجموعة من نوعها في منطقة الحجاز، خصوصاً في المدينة المنورة.
أما من حيث مضمون هذه النقوش فهي نصوص محلية يراوح عدد سطورها بين سطرين وسبعة أسطر كتبت بوساطة شخصيات من المدينة المنورة ولها صلة بموقع الكتابة? كما يمتاز موقعها بقربه من طريق الحج الذي يربط المدينة المنورة بمكة المكرمة، وتشتمل على أدعية وتوسل إلى الله بطلب المغفرة والرحمة والغفران، كما تحتوي بعضها على أجزاء من آيات قرآنية وتضمنت أسماء أصحابها وجميعهم من الذكور، فلم ترد بها أسماء إناث.
تشكل مجموعة نقوش رواوة مصدراً معلوماتياً مهماً ليس فقط في تطور الخط العربي في الفترة الإسلامية المبكرة بل لدلالتها الواضحة على النمو والازدهار الحضاري للمدينة المنورة والمناطق المجاورة لها، وقامت وكالة الآثار والمتاحف عام 1420هـ/1999م بتوثيقها وتسجيلها، ويبلغ عددها 241 نقشاً، بالإضافة إلى ما يقارب ستين نقشاً لم يتم تسجيلها نظراً لعدم وضوحها، وقد نشر مؤخراً 55 نقشاً. كما قامت الهيئة بتسويره بسياج حماية لضمان عدم التعدي عليه، مع تنظيم الجولات الرقابية الدائمة لضمان حفظه وحمايته.
أما روضة خاخ.. فهي مكان ارتبط بالقرآن الكريم والسيرة النبوية، فخاخ موضع قرب حمراء الأسد من المدينة المنورة، يقال له روضة خاخ، وسمي بـ (روضة خاخ) نظراً لكونه على هيئة روضة كثير الماء والشجر، فكان هذا المكان معروفاً بكثرة أشجاره ومن ثمّ اخضراره، وذكر اسم خاخ في أحماء المدينة التي حماها النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون بعده لرعي خيل وإبل وأغنام بيت أموال المسلمين، فهي جزءٌ من حمى وادي النقيع، وقد حدد أحد المؤرخين لموقعها أكثر وصفاً وأدق تحديداً فبيَّن أنها تقع في شقّ حمراء الأسد الأيمن إلى الشرق منها، في الجنوب الغربي من عير الصّادر، على الضفة اليسرى لوادي العقيق الأقصى، بين فرعيه الشوطى والناصفة، على بعد تسعة كم عن ذي الحليفة.
وقد رصد المؤرخون والمفسرون هذا المكان أي: روضة خاخ، لعلاقتها بنزول سورة الممتحنة حيث جاء ذكرها في حديث علي رضي الله عنه أنه قال: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا والزُّبَيْرَ والْمِقْدَادَ بْنَ الاَسْوَدِ، قَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَة خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا وأتوني به، فانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ?....إلخ. رواه البخاري برقم (2845).
والكتاب قد أرسله الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه مع المرأة إلى مشركي قريش، كتب فيه (من حاطب بن أبي بلتعة إلى سهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، أما بعد: يا معشر قريش فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءكم بجيش عظيم يسير كالسيل فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده فانظروا لأنفسكم والسلام». وفي رواية أن لفظ الكتاب: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد». وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً فقال: يا حاطب ما حملك على هذا؟ فقال يا رسول الله: أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيّرت ولا بدلت ولكني كنت امرأً ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه قد صدقكم».
ولما طلب عمر رضي الله عنه بضرب عنقه لأنه نافق حسب ظنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه شهد بدراً وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، رواه البخاري برقم (4274) ومسلم برقم (2494). وأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودّة وقد كفروا بما جاءكم من الحقّ يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرّون إليهم بالمودّة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضلّ سواء السبيل}. سورة الممتحنة (1)، وهذا الحديث من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أطلعه الله على جزء من الغيب، كما أظهر فضل أهل بدر.
وقد ذكر الطبري في تفسيره ضمن سبب نزول الآية فيقول: «حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرّة الجملي، عن أَبي البختري الطائي، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي مكة، أسرّ إلى ناس من أصحابه أنه يريد مكة، فيهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم يريدكم، قال: فبعثني النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد وليس منا رجل إلا وعنده فرس، فقال: «ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخ، فإنَّكُمْ سَتَلْقَونَ بِهَا امْرَأَةً وَمَعَهَا ِكتَاب، فَخُذُوهُ منها»؛ فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ويقول السعدي في تفسيره: ذكر كثير من المفسرين (رحمهم الله)، أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حين غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فكتب حاطب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ليتخذ بذلك يداً عندهم (لا شكاً ونفاقاً)، وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشأنه، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب. وعاتب حاطباً، فاعتذر رضي الله عنه بعذر قبله النبي صلى الله عليه وسلم.
وروضة خاخ معروفة بهذا الاسم إلى الآن، فالاسم متداول بين من يسكنها أو يسكن حولها، كما يطلقون على جبال خلفها: جبال خاخ، وقد اقتطع الطريق السريع بين المدينة المنورة وكلّ من جدة مكة الجزء الغربي من روضة خاخ، وبقي الجزء الأكبر منها إلى الشرق منه، يراها المسافر بعد (المثلث) على يساره إن كان مغادراً المدينة أو على يمينه إن كان قادماً إليها.
وقد أكثر الشعراء من ذكرها، ولاسيّما الأحوص: حيث أكثر من ذكرها وأحياناً يذكرها أي: روضة خاخ ويذكر معها أماكن أخرى في المدينة المنورة وما حولها، قال الأحوص:
طرَبت وكيف تطربُ أم تصابَى
ورأسك قد توشِّحَ بالقتير
لغانية تحلُّ هضاب خاخٍ
فأسقف فالدوافع من حضَير
وأسقف والدوافع وحضير أماكن قريبة من خاخ.
وتشوق الشعراء إلى خاخ حيث يقول الشاعر الأحوص وهو بعَمّان مشتاقاً إلى سلع والعقيق وخاخ وهي مواقع بالمدينة المنورة:
أقولُ بعَمَّانِ وهلْ طَرِبَى بِهِ
إلى أهْلِ سَلْعٍ إنْ تشوَّقْتُ نَافِعُ
أَصَاحَ أَلَمْ تُحْزِنكَ رِيحٌ مريضَةٌ
وبَرْقٌ تَلألأْ بالعَقِيقَينِ لامِعُ
فإنَّ الغَرِيبَ الدَّارُ ممَّا يَشُوقُهُ
نسيمُ الرِّيَاحِ والبُروقُ اللَّوامِعُ
نَظَرْتُ عَلَى فوتٍ وأوفَى عَشِيَّةً
بِنا منظَرٌ منْ حَصْنِ عَمَّان يافِعُ
وللعَينِ أسرابٌ تفيضُ كأنَّما
تُعَلُّ بِكُحْلِ الصَّاب منها المدامِعُ
لأبصِرَ أحياءً بخاخٍ تضمَّنَتْ
منازلَهُم منها التِّلاعُ الدَّوافِعُ
فأَبدَتْ كثيراً نظرَتِي من صَبَابَتِي
وأكثر مِنْها ما تَجِنُّ الأضالِعُ
وكيفَ اشتياقُ المرءِ يَبْكِي صبَابه
إلى من نأى عن دارِهِ وهو طائِعُ
لقدْ كنتُ أبكِي والنَّوَى مطمئنَّةٌ
بِنا وبكُمْ من علْمِ ما البينُ صانِعُ
وقد ثَبَتَتْ في الصَّدْرِ مِنْها مودَّةٌ
كَمَا ثَبَتَتْ في الرَّاحَتَيْنِ الأصابِعُ
أهُمَّ لأَنسَى ذكرَها فيشوقُنِي
رفاقُ إلى (أهل الحجاز) نوازِعُ
وقد أكثر الشعراء في ذكر خاخ قال الشاعر الأحوص:
أَلا تَلُمْهُ اليَوْمَ أَنْ يَتَلَبَّدا
فَقَدْ غُلِبَ المَحْزُونُ أنْ يَتَجَلَّدَا
بَكَيْتُ الصِّبَا جُهْدِي فَمَنْ شَاءَ لامَنِي
وَمَنْ شَاءَ آسَى في البُكَاءِ وأَسْعَدَا
وَإِنِّي وَإِنْ فُنِّدْتُ فِي طَلَبِ الصَّبَا
لأَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ في الحُبِّ أَوْحَدَا
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْشَقْ وَلَمْ تَدْرِ مَا الهَوَى
فَكُنْ حَجَراً مِنْ يَابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدَا
فَمَا العَيْشُ إِلاَّ أَنْ تَلَذَّ وَتَشْتَهِي
وَإِنْ لاَمَ فِيهِ ذُو الشَّنَانِ وَفَنَّدَا
وَعَهْدِي بِهَا صَفْرَاءَ رُوداً كأَنَّما
نَضَا عَرَقٌ مِنْهَا عَلَى اللَّوْنِ عَسْجَدَا
وقال أيضاً:
سُهُوبٌ وأَعْلامٌ تَخَالُ سَرَابَهَا
إِذَا اسْتَنَّ فِي القَيْظِ المُلاَءَ المُعَضَّدَا
نَظَرْتُ رَجَاءً بالمُوَقَّرِ أَنْ أَرَى
أَكَارِيسَ يَحْتَلُّونَ خاخاً فَمُنْشِدَا
فَأَوْفَيْتُ فِي نَشْزٍ مِنَ الأَرْضِ يَافِعٍ
وَقَدْ تُسْعِفُ الأَيْفَاعُ مَنْ كَانَ مُقْصَدَا
وذكر أيضاً خاخ ورواوة وأماكن أخرى وهو يمدح بهذه القصيدة عبد العزيز بن مروان والي مصر (65 - 85) والد عمر بن عبد العزيز وأخو عبد الملك بن مروان، وكان وليّ عهده :
أَقْوَتْ رُوَاوَةُ مِنْ أَسْمَاءَ فالسَّنَدُ
فالسَّهْبُ فَالقَاعُ مِنْ عَيْرَينِ فالجُمُدُ
فَعَرْشُ خَاخٍ قَفَارٌ غَيْرَ أنَّ بِهِ
رَبْعاً أَقَامَ بِهِ نُؤْيٌ وَمُنْتَضَدُ
وَسُجَّدٌ كالحَمَامَاتِ الجُثُومِ بِهِ
وَمُلْبِدٌ مِنْ رَمَادِ القِدْرِ مُلْتَبِدُ
وقَدْ أَرَاهَا حديثاً وَهْيَ آهِلَةٌ
بِهَا تَوَاصَلَ ذَاكَ الجِزْعُ فَالعَقْدُ
يقول السريُّ بن عبد الرحمن بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاريُّ:
ولها مَرْبَعٌ بِبُرْقَةِ خَاخٍ
ومصِيفٌ بالقصرِ قصرِ قباء
كفَّنوني إنْ متُّ في درعِ أروى
واغسلوني من بئرِ عروة مائي
سخنةً في الشتاءِ باردةً في الصيفِ
سراجٌ في الليلة الظلماءِ
قال عبد الله بن مصعب الزبيري يذكر خاخ وكذا العَرصتين والعقيق:
أشرِفْ على ظهرِ القديمةِ هل ترى
بَرْقاً سَرَى في عارضِ مُتهلّلِ
نضح العقيقَ فبطنَ طيبة مُوهنا
ثم استمرَّ يؤمُّ قصدَ الصُّلصُلِ
وكأنّما ولعَتْ مخايلُ برقهِ
بمعالمِ الأحبابِ، ليسَتْ تأتلي
بالعرْصتين يسُحُّ سَحّاً فالرُّبا
من بطنِ خاخٍ ذي المحلِّ الأسهلِ
وقال أيضاً:
نارٌ يضيءُ سناها، إذ تشبُّ لنا
سعديَّةٌ، وبها نَشفى من السقم
وما طربتُ بسجوٍ أنت نائله
ولا تنورت تلك النار من إضَم
ليست لياليك من خاخٍ بعائدة
كما عهدت، ولا ايام ذي سلم
ووادي إضم: مجمع أودية المدينة المنورة يبدأ من غرب جبل أحد حيث يلتقي وادي العقيق الذي تبدأ تسميته من بعد روضة خاخ مما يلي المدينة مع وادي قناة الذي يأتي من شمال شرق المدينة فيشكلان بالتقائهما وادياً واحداً يطلق عليه وادي إضم ويكثر على حافتيه شجر السلم. وقد أرسل الأحوص أشواقه إلى المدينة والأماكن التي حولها وهو بعمّان:
نظرتُ على فَوْتٍ فأوفى عشيّة
بنا منظرٌ من حصن عمّان يافع
لأبصر أحياء بخاخٍ تضمّنت
منازلهم منها التّلاع الدوافع
هذه لمحة عن موقعين من المواقع التي تغطي الوطن الغالي على اتساع مساحته، ويأمل الكاتب أن يقف عليها الطلاب والطالبات وذلك لأهميتها وعلاقتها بالسيرة وتفسير القرآن الكريم.
** **
المراجع:
معجم البلدان للحموي، عمدة الأخبار في مدينة المختار للعباسي، المغانم المطابة في معالم طابة للفيروزآبادي، وفاء الوفا للسمهودي، معجم ما استعجم للبكري، التعريف بما أنست الهجرة للمطري، دراسات في الآثار الإسلامية المبكرة بالمدينة المنورة للأستاذ الدكتور سعد بن عبد العزيز الراشد، ديوان كثير عزة، شرح ديوان الأحوص الأنصاري، مشروع دراسة المخطط الإقليمي لمنطقة المدينة المنورة، تاريخ طيبة في خير القرون للدكتور تنيضب الفايدي، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليف: محمد رضا، صيد الذاكرة الباصرة من آثار الوطن الحبيب قائمة أو داثرة للدكتور تنيضب الفايدي.