محمد بن عبدالله آل شملان
في مشهد يفيض بالفخر ويستحضر عبق التاريخ، جاءت الجولة الميدانية التي قام بها صاحب السمو الملكي الأمير راكان بن سلمان بن عبدالعزيز، محافظ الدرعية، على مشروعات هيئة تطوير بوابة الدرعية، لتكون أكثر من مجرد زيارة تفقدية؛ بل كانت رحلة في ذاكرة الوطن، ووقفة صادقة مع الجذور التي انطلقت منها حكاية المجد السعودي.
حين وطأت قدما سموه أرض حي الطريف، المسجل في قائمة التراث العالمي لدى اليونسكو، لم يكن المكان مجرد مبان طينية عتيقة، بل كان حاضراً ينبض بروح الأجداد، ويهمس بقصص العزم والبدايات. هناك، بين جدران قصر سلوى والقصور التاريخية في الحي الملكي، تتجلى ملامح الدولة السعودية الأولى، ويشعر الزائر وكأنه يسير في صفحات كتاب مفتوح على تاريخ صنعته الإرادة والإيمان.
ومع امتداد الجولة إلى حي سمحان التاريخي، ومركز المجتمع «حديقة الميدان»، ثم حي ظهرة العودة «جاكس» الذي يحتضن اليوم روح الإبداع والفن، وصولاً إلى حي غصيبة، بدا وكأن الدرعية تروي قصتها بصوت واحد: قصة وطنٍ يعرف من أين بدأ، ويعرف إلى أين يتجه. في كل زاوية من هذه المواقع، تتلاقى الأصالة مع الحداثة، ويُعاد تشكيل الماضي ليكون جسراً نحو المستقبل.
الدرعية ليست مجرد محافظة؛ إنها القلب الذي نبضت منه أولى خطوات الدولة، والرمز الذي يجسد الهوية السعودية في أبهى صورها. ومن هنا، فإن العناية بها ليست خياراً، بل واجبٌ وطني يترجم الوفاء للتاريخ، والحرص على نقله للأجيال القادمة. إنها ذاكرة وطن، ومرآة حضارة، ومنارة تضيء دروب المستقبل.
وفي ظل رؤية المملكة 2030، تتجسد الدرعية كمشروعٍ حضاري متكامل، يسعى إلى تعزيز القطاعين السياحي والثقافي، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتنمية. فالمشروعات التي يشرف عليها أبناء الوطن ليست مجرد مبادرات عمرانية، بل هي حكايات أمل تُكتب، وفرص حياة أفضل تُصنع، وتجارب إنسانية تُقدَّم لكل من يزور هذا المكان العريق.
يأتي هذا التحول بدعم كريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبمتابعة حثيثة من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي جعل من الدرعية رمزاً عالمياً يعبّر عن طموح المملكة وحضورها المتجدد على الساحتين المحلية والدولية. هذا الدعم لم يكن مجرد توجيه، بل كان إيماناً عميقاً بقيمة المكان، وقدرته على أن يكون جسراً بين التاريخ والمستقبل.
وفي ختام الجولة، حين عبّر سمو الأمير راكان بن سلمان عن شكره لهيئة تطوير بوابة الدرعية والقائمين عليها، لم تكن الكلمات مجرد عبارات تقدير، بل كانت انعكاساً لروح العمل الجماعي، ولإخلاص يُبذل في سبيل خدمة الوطن وأبنائه. لقد كانت رسالة امتنان لكل يد تعمل، ولكل فكر يبدع، ولكل قلب ينبض بحب هذه الأرض.
وهكذا، تمضي الدرعية اليوم، لا كمدينة عادية، بل كحلم يتجدد، وكقصة تُروى للأجيال، وكوعد بمستقبل يليق بتاريخٍ عظيم. إنها الدرعية حيث يلتقي الماضي بالحاضر، ويُولد من بينهما مستقبل أكثر إشراقاً، يليق بوطن لا يعرف إلا القمم.