عبود بن علي ال زاحم
في زمنٍ كثرت فيه الحسابات، وتضخّمت فيه معادلات النجاح المادي، أصبح كثير من الناس يقيسون الرزق بلغة الأرقام، ويربطونه بالوظائف والمناصب والعلاقات والفرص. ومع أن السعي والعمل جزء أصيل من سنن الحياة، إلا أن الحقيقة الكبرى التي يغفل عنها بعضهم أن الرزق في جوهره ليس معادلة بشرية بقدر ما هو وعدٌ إلهي تكفّل الله به لعباده.
فالإنسان يسعى ويجتهد ويخطط، وربما يظن أن ما يأتيه من رزق إنما هو نتيجة مباشرة لقدراته أو اجتهاده وحده، لكن الحقيقة الأعمق أن وراء كل رزقٍ تدبيرًا إلهيًا ورحمةً خفية لا تدركها الحسابات البشرية. لقد اختصر القرآن هذه الحقيقة في آية عظيمة حين قال الله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} (الذاريات: 22) آية تحمل رسالة طمأنينة عظيمة؛ فالرزق ليس محصورًا في الأرض وحدها ولا في معادلات البشر، بل هو مقدّر في السماء قبل أن يصل إلى أيدي الناس، ويؤكد الله تعالى هذا المعنى في قوله:{وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} (هود: 6).
تأمّل في شمول هذا الوعد؛ كل مخلوق على هذه الأرض رزقه مكفول بعهدٍ من الله، وهذا الإيمان يمنح الإنسان طمأنينة عميقة، فلا يذلّ نفسه للحرام، ولا يبيع مبادئه خوفًا من الفقر، ولا يظن أن الأبواب التي أغلقها البشر قد أغلقت رزقه.
وفي السنة النبوية يتجلى هذا المعنى بوضوح حين قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا وتروح بطانًا» (رواه الترمذي)، الطير تخرج في الصباح جائعة، لكنها تعود في المساء ممتلئة، لا لأنها لا تسعى، بل لأنها تسعى بثقة أن رازقها هو الله.
وفي حديثٍ آخر يرسّخ النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الحقيقة العميقة: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي أنَّ نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» (رواه ابن ماجه)، وهنا تتضح القاعدة المتوازنة في فهم الرزق: السعي مطلوب... لكن القلق الزائد ليس طريقًا لزيادته.
كم من إنسانٍ ظن أن رزقه مرتبط بمنصبٍ أو مديرٍ أو جهة عمل، ثم اكتشف بعد حين أن الأرزاق لا تُدار في مكاتب البشر، بل تُقسَم في تدبير الله. وكم من إنسانٍ أغلق البشر في وجهه بابًا، ففتح الله له أبوابًا لم تكن في الحسبان. ولهذا قال الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} (الطلاق: 2-3).
هذه الآية تحمل معنى عميقًا؛ فالرزق الحقيقي لا يأتي دائمًا من الطريق المتوقع، بل قد يأتي من أبواب لم تخطر على البال. إن الإيمان بأن الرزق وعدٌ من الله لا يعني ترك العمل أو إهمال السعي، بل يعني أن يعمل الإنسان بقلبٍ مطمئن، وأن يجتهد دون أن يرهق نفسه بقلق المقارنات أو الخوف من المستقبل.
اعمل... واجتهد... وطوّر نفسك...
لكن تذكّر دائمًا أن ما كُتب لك سيأتيك، وأن ما لم يُكتب لك لن تناله كل معادلات البشر.
وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة التي يطمئن بها قلب المؤمن: أن الأرزاق بيد الله، وأن السعي عبادة، والتوكل عبادة، واليقين بوعد الله أعظم عبادة.
فحين يدرك الإنسان أن الرزق بين وعد السماء وحسابات الأرض...
يدرك أن حسابات البشر قد تخطئ، لكن وعد الله لا يخيب.