حنان بنت عبدالعزيز آل سيف
عالم دين سعودي بارز لامع، بدأ مسيرته الحياتية، وسيرته النفسية بين صفحات الذكر الحكيم، حيث ألهم حب القرآن الكريم، فعكف على حفظه وتجويده وتدارسه وهو ما يزال طفلًا صغيرًا غض الإهاب، فأكرمه ربه بحفظه وهو لا يزال يرفل في الثانية عشرة من عمره الميمون -إن شاء الله- دَرس ودرّس، وعلم وتعلم، صال وجال في علوم الدين، ففاز بالسبق، وعلى وتعلى حتى صار قدحًا معلى، تهفو القلوب له، وتضرب في قراءته أكباد الإبل، فلله دره حيث عرف بصوت شجي مؤثر فكأنما حنجرته مزمارًا من مزامير آل داود، تدرج أكاديميًا في جامعات المملكة الغراء من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة أم القرى، وانتهى هذا التدرج إلى أن أصبح إمامًا قانتًا، وخطيبًا مفوهًا، فبورك وبارك. وإذا أردت أن تعرف قصة هذا العالم السعودي الألمعي، والخطيب المكي اللوذعي، وتاقت النفس، وتأهبت الروح فدونك إياها وأقرأها - فُديت- بعين الإنصاف، وإجلال مقامات الرجال.
هو أشهر من علم، وهو أضوأ من نار علّقت عليه، أول قارئ على مستوى العالم العربي والإسلامي، وإن شئت فقل إنه قارئ محنك من أبرز القراء الذين يشار إليهم بالبنان على المستوى العالمي. ولا مغالاة إن كان الأسبق الأول فيهم ولله در الشاعر المفوه العشماوي حين هزج:
وقفت حروفي عند باب نشيدي
والشوق يركض في مجال وريدي
والريشة الخضراء تهتف في يدي
هيا ابدأي يا ريشتي وأعيدي
هيا اركضي عبر السطور وغسلي
بالحب وجه خيالي الموؤد
هيا اكتبي إن الحروف مشوقة
هيا اشربي من منبع التوحيد
هذي ينابيع الكتاب تدفقت
تجري بنور في الحياة جديد
يا ريشة القلم الأصيل تدفقي
نهرا من الشعر الأصيل وزيدي
قولي معي للقارئ الفذ الذي
يتلو فيشعرني بسر وجودي
يتلو فيفتح ألف باب للتقى
ويكف عن نفسي أشد قيود
يا قارئ القرآن داو قلوبنا
بتلاوة تزدان بالتجويد
اقرأ لينجلي القتام عن الذي
أمسى أسير تخاذل وخضود
اقرأ لعل الله يوقظ غافلًا
من قومنا ويلين قلب عنيد
اقرأ ليرجع ظالم عن ظلمه
ويقر بالإيمان كل جحود
إبليس باركهم وسار أمامهم
متباهيًا بلوائه المعقود
اقرأ ليهدأ قلب كل مروع
من قومنا وفؤاد كل شريد
اقرأ ليسمع كل من في سمعه
وقر من الأقصى إلى مدريد
اقرأ لتفهم أمتي معنى الهدى
معنى بلوغ مقامها المحمود
اقرأ ليخرج جيلنا الحر الذي
يبني جوانب صرحنا المعهود
بالدين بالقرآن لا بثقافة
غربية أو مبدأ مردود
هو الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن محمد السديس من قبيلة عنزه ابن ربيعة بن عدنان من محافظة البكيرية بمنطقة القصيم، ولد في الرياض عام 1382هـ نشأ نشأة إسلامية وسطية محافظة والتحق بمدرسة المثنى بن حارثة الابتدائية ثم ثنى بالالتحاق بمعهد الرياض العلمي حيث تخرج منه عام 1499هـ بتقدير فائق ودرجة ممتازة، وثمة التحق بكلية الشريعة الغراء، وكان هذا في العاصمة الرياض، وكان التخرج منها عام 1403هـ وفي عام 1408هـ حصل على درجة الماجستير بتقدير ممتاز من كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ثم حصل على درجة الدكتوراه من كلية الشريعة بجامعة أم القرى في مكة المكرمة بامتياز وتوصية بطبع الرسالة.
هو بروفيسور وأستاذ الفقه من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، وهو الآن إمام وخطيب المسجد الحرام وقد عمل محاضرًا في قسم القضاء بكلية الشريعة بجامعة أم القرى في مكة المكرمة -عمرها الله- ثم عين بعدها أستاذاً وأنشأ كرسي بحث باسمه لدراسة أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وهو المشرف العام على مجمع إمام الدعوة العلمي الدعوي التعاوني الخيري بمكة المكرمة، ويعمل مديرًا لجامعة المعرفة العالمية (التعليم عن بُعد) وأستاذًا بقسم الشريعة بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ويعمل الآن رئيسًا عامًا لشئون المسجد الحرام والمسجد النبوي منذ تعيينه
خلفًا للشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين بمرسوم ملكي من الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، وصدر أمر ملكي يوم الثلاثاء الموافق 17 جمادى الثانية 1433هـ بتعيينه رسميًا بالمنصب بمرتبة وزير ليكون خلفًا للشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين والذي اعتذر عن المنصب لظروفه الصحية وقد كان الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي.
(بسم الله الرحمن الرحيم - الرقم 1-129- التاريخ 17-06-1433هـ- بعون من الله نحن عبد الله بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية...
وبعد الاطلاع على ما رفعه لنا معالي الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي عن طلبه إعفاءه من منصبه لظروفه الصحية أمرنا بما هو آت أولا الموافقة على طلب معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي إعفاءه من منصبه لظروفه الصحية.
ثانيًا يعين الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس رئيسًا عامًا لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي بمرتبة وزير. ثالثًا: يبلغ أمرنا هذا للجهات المختصة لاعتماده وتنفيذه.
(عبد الله بن عبد العزيز آل سعود)
وفي يوم الثلاثاء الموافق 21 محرم 1445هـ برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز صدر قرار مجلس الوزراء بإنشاء جهاز مستقل باسم الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي وفي اليوم نفسه صدر الأمر الملكي بتعيين عبد الرحمن السديس رئيسًا للشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي بمرتبة وزير.
ويحكي لنا المتحدثون قصة سلسة جميلة قصيرة للشيخ عبد الرحمن السديس مع والدته وهو صغير، فقد كانت أمه تحضر لوليمة أقامها والده لبعض المدعوين وكان الشيخ عبد الرحمن السديس يلعب بالتراب، وكان قبل حضور المدعوين يأخذ التراب بيديه الصغيرتين ويرمى بالتراب فوق الوليمة وأثناء ذلك دخلت أمه عليه ورأت ما يفعل فدعت قائلة اذهب جعلك الله إمامًا للحرم. وقد وافقت دعوتها - رحمها الله وغفر له- بابًا مفتوحًا من أبواب السماء، وقد أكرمها المولى جلّ في علاه بجعل ابنها إمامًا للحرم المكي الشريف، والقدر كما قال العالم العلامة، الشيخ ابن قيم الجوزية في كتابه التحفة (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) أن القدر والدعاء يعتلجان فأيهما كان أقوى وقع أحدهما إما القدر أو الدعاء (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) ورحم الله الإمام الشافعي حين قال: (سهام الليل لا تخطئ ولكن لها أمد وللأمد انقضاء) وقد قال غفر الله له: (اتهزأ بالدعاء وتزدريه وما تدري بما صنع الدعاء).
يا من يرَى ما في الضميرِ ويسمعُ
أنتَ المعَدُّ لكلِّ ما يُتوقَعُ
يا مَن يُرجَّى للشدائدِ كلِّها
يا مَنْ إليه المُشتَكَى والمَفْزَعُ
يا مَن خزائنُ مُلكِهِ في قولِ كُنْ
أُمنُنْ فإنَّ الخيرَ عندَكَ أجمعُ
ما لي سِوَى فَقْرِي إليكَ وسيلةٌ
فبالافتِقَارِ إليكَ فَقْرِيَ أَدْفَعُ
ما لي سِوَى قَرْعِي لبابِك حيلةٌ
فلئِن رُددتُ فأيَّ بابٍ أقرعُ
هذا وقد أشاد الدارسون والباحثون في سيرة الشيخ عبد الرحمن السديس فذكروا نشأته الدينية الوسطية وتفوقه في شبابه الغض الاهاب فالقرآن حفظه حال العلماء الفطاحلة البارزين وهو في السنة الثانية عشرة من عمره المديد -بإذن الله- وقد أمَّ المسلمين وهو في الثانية والعشرين وهو دليل جم قوي على نبوغه المبكر، وعبقريته الفذة، ويتجلى هذا النبوغ في حفظه للقرآن الكريم في سن مبكرة جدًا، وقد جعل المولى جلّ وعلا نبوغه وتفرده واعتلائه في ذلك الصوت الشجي المؤثر، فالعبقرية في شخص الشيخ السديس في نجاحاته الأكاديمية، ودروسه العلمية، وخطبه المنبرية، والتي جاء بها السجع في أعلى المستويات دون أن يمل، وهو سجع سهل ممتنع يعرفه خاص الناس، ويفهمه عامتهم، ولعمري فلسجع الشيخ حلاوة وطلاوة وإيقاع وتأثير وذوق أنيق، ونص رشيق، أصوله أصله متوافقة في حروف كلمات خطبه المنبرية، بأسلوب يخدم المعنى، ويزيده جلاءً ووضوحًا وتدبرًا وفهمًا، فقد أمسك بزمام عصا اللغة العربية في رشاقة وحذاقة، وأناقة وتناغم، والشيخ -حرسه الله- سحبان وائل الذي خطب بمعاوية بن أبي سفيان من الظهر إلى العصر ما تنحنح ولا زل ولا تعثر ولا كرر بل على نمط واحد، فقال فيه معاوية بن أبي سفيان -رضى الله عنه-.
هذا أخطب الجن والإنس، ولحسن خطبته سماها معاوية بالشوهاء لأنه عندما خطب لم ينشد شاعر ولم يتفوه خطيب فكلمه الشوهاء فيها تضاد فالشوهاء تعني جانب القبح وجانب الملاحة لأنها فهي ألفاظ الأضداد وها هو الشيخ عبد الرحمن السديس يعيد لغة الصحابي الجليل سحبان وائل وفصاحته وحسن سجع خطبه وقوة حجته ونفاذ دليله وذلك فضل الله والله ذو الفضل العظيم.
يقول الشاعر إبراهيم بن العباس الصولي:
إذا ما الفكرُ وَلّدَ حُسنَ لفظ
وأدّاه الضَّميرُ إلى العيان
ووشّاه فَنَمنَمَه مُسَدٍ
فصيحٌ في المقال بلا لسان
رأيتَ حُلى البيان مُنَشَّراتٍ
تَجَلّى بينها صُوَرُ المَعاني
وخطب الشيخ عبد الرحمن السديس تتسم بلباقة وقدرة نادرة وهي جامعة بين العلوم الشرعية الدينية، والأساليب الوعظية بالدعوة إلى التقوى واليقين بالله فهما سراجا الدرب المنيران، ويتأبط الشيخ لغة عربية فصيحة جزلة بليغة مما يوحي بذلك التناغم العجيب بين مفردات خطبه، والتجانس الأنيق بين ألفاظ الخطبة ومعانيها، فكلامه فيه ما قلّ ودلّ، ووعظه فيه ما نفع وزجر، وكان في خطبه يستشهد بالشعر العربي الفصيح، والذي يقوم على سليقة الشعر العمودية، فيأتي به من هنا وهناك لينشط خاطر المستمعين لخطبه، ويجلو صدأ الملل عن نفوسهم، ويطربهم باختياراته والشعر ما دخل في شيء إلا زانه، وما خرج منه إلا شأنه وخطبه -خلدها الله- روضة يانعة غناء بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأحكام الشرعية، والأبيات الشعريةـ، والأمثال العربية والأساليب البلاغية ولا يفوتك -أيها الملهم- قضايا المجتمع السعودي محليًا، ثم قضايا العرب والمسلمين عالميًا، فيصدح بصوت عذب، واضح القسمات، قوي المخارج، جهوري النغم، بنبرات لفظية لاقطة لانتباه السامعين، آخذة في تفتيق السكينة والخشوع والوجدان والجمال وهي متفردة بنفسها، فريدة بذاتها، من أصعب الأمور استنساخها، وهو يملك بصمة صوتية جعلته من أشهر مرتلي القرآن الكريم في جنبات العالم، وإن شئت فقل: هو ذروة سنامهم ومما أشاد به المستمعون روعة تلاوته لسورة (الشعراء)، فله في تلاوتها براعة يجعل من يستمع إليها يتفاعل معها وكأنما الشيخ يتلوها لأول مرة، فتصفي إليه في تجربة روحية إيمانية تأسر القلب، وتجذب النفس، ولا تسل عن البهاء الصوتي لسورة يوسف عليه السلام وهو يصب الشهد القرآني في متدبري ومستمعي تلاوته، فيأتي صوته له يدوي كدوي النحل معبرًا عن قصة الصبر والحكمة والفرج وتبدل الأحوال من جراء التوكل على الله، وتفويض الأمر إليه، والرضى بقضائه، ومن أروع وقفات الشيخ حينما يتلو القرآن وهو يصف لوعة يعقوب وحزنه فتنهمر دموعه بكاءً على قوله جل في علاه: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) والشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس من القراء البكائين عند تلاوة آيات الذكر الحكيم، تأثرًا وتأثيرًا، وتخشعاً وتخشيعاً وللشيخ تلاوات رمضانية وما عداها لا أروع ولا أحلى، وله خطب منبريه لا أقوى ولا أجمل وقد عدت خطب الشيخ -حماه الله- فبلغت 162 خطبة تقريبًاوأول خطبة ألقاها الشيخ كانت في 15 رمضان 1404ه ومكانها المسجد الحرام ومن نماذج خطب الشيخ الجميلة في حثه على تقوى الله وعمران الوقت بصالح الأعمال قوله في سجع جميل مقفي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) سورة الحشر (18).
عليك بتقوى الله في كل أمر
تجد غبها يوم الحساب المطول
ولا خير في طول الحياة وعيشها
إذا أنت منها بالتقى لم ترحل
أيها المسلمون: في ارتحال الزمان، وتعاقب الشهور والأعوام بالتقضي والانصرام عبر وعظات، لمن رام استدراك الهفوات، ومحاسبة الذوات قبل الفوات، بالتقويم والمراجعات.... في هذه الأيام السوالف ودعت أمتنا الإسلامية عامًا قد مضى وتولى، واستقبلت آخر وافانا وتدلى عام انقلب بمالنا وما علينا في مطارديه، وآخر استهل شاهدًا على مضي الدهر في تعاديه، فنسألك اللهم أن تبارك للأمة في ما قدرت فيه.
مَرَّتْ سِنُونٌ بِالوصالِ وبالهَنا
فكأنَّها من قِصَرِها أيَّامُ
ثم انقضتْ تلكَ السنونُ وأهلُها
فكأنَّها وكأنَّهم أحلامُ
ومن لم يتعظ بزوال الأيام، ولم يعتبر بتصرم الأعوام، فما تفكر في مصيره، ولا أناب ولا اتصف بمكارم الخلق أولي الألباب يقول الرحيم التواب: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) سورة آل عمران. وتغافل عن حقيقة قاطعة ساطعة هي كون الآخرة أبدًا والدنيا أمدًا، أعمالنا فيها مشهودة، وأعمارنا معدودة، وأنفاسنا محدودة، وأقوالنا مرصودة والودائع- لا محالة- مردودة) والحق أنها خطبة جميلة نافعة مفيدة، وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وعنون لها بعنوان دال على محتوى الخطبة وهو: (الاعتبار بانقضاء الأعمار) وهي من خطب الحرم الشريف وكانت في يوم الجمعة 14-12-2010 وتحت عنوان (الحب في الله) وهي من خطب المسجد الحرام في يوم الجمعة 15 ربيع الأول 1432ه- يقول: حرسه الله- في استهلالتها الإرهاصية الجميلة المؤثرة: (الحمد لله نحمده تعالى حق حمده -سبحانه- لم يزل بديعًا خلاقًا، أودع البرية مشاعر ونوازع وأشواقًا وأعقبها جزاءً وفاقًا، ربي لك الحمد العظيم لذاتك، حمدًا وليس لواحد إلّاك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تعمر القلب إشراقًا، والروح ندىً وإيراقًا وأشهد أن نبينا وحبيبنا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله أزكى العالمين، أرومة وأعراقًا، صلى الله وبارك عليه نهلنا من الحب الطهور كأسًا دهاقًا، وعلى آله الطيبين المترعين حنانًا وإشفاقًا) ثم يكمل حديثه ويتحدث بإبهام عن موضوع الخطبة المقصود، حتى إذا ما أخذ المستمع شدة الانتباه، وإصاخة السمع أفصح الخطيب المجلجل عنها، وارعة سمعك ليصب فيه الشهد التالي: (تتبدى في إشراق وبهاء، ونضارة وصفاء صفة أخاذة بديعة، وقيمة لشد ما هي خلاقة رفيعة، جُبل عليها الإنسان، واستقرت منه في مغرورق الجنان، في وارف أفيائها أناطت النفوس ركائبه، فحازت شريف مآربها، ونجت من نزواتها ومعاطبها، انطوى عليها العباد والنبلاء والزعماء والأصفياء والخاصة والدهماء) وبعد حديث دقيق رسام لهذه السمة، يقول: (وصفوة القول: إنها لم تغادر قلبًا إلا تصبته، ولا وجدانًا إلا سبته، بل اتصف بها -جل في علاه- وكذا حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم -تلكم- يا رعاكم الله- هي صفة الحب والمحبة)؟ (كانت أشرف الأرواح وأصفاها أسناها محبوبًا وأسماها كحب الرحمن الواحد الديّان، وحب القرآن، وحب سيد ولد عدنان- عليه الصلاة والسلام- وحب أوصاف الجمال ولكمال، ومكارم الخلال ومحاسن الجلال مما لا يناسب إلا جواهر النفوس الزكية والذين آمنوا أشد حبًا لله) ويمضي في حلبة اللغة العربية صولًا وجولاً إلا أن يثبت المعنى في النفوس فتلتهمه القلوب، وتأنس الأفئدة به والنفوس والسؤال الطارح لنفسه، هل كانت هذه السجعات الوارفة وفحصه أم مولده من البحث والدرس، والحقيقة أن درس المطروق وفحصه صفة العلماء والشعراء والأدباء، بل هي من أهم سمات التفرد والتميز والتفذذ مما يوحي إن صح النظر أن الشيخ عبد الرحمن السديس بحاثة لغوي شعري أدبي ديني من الطراز الأول، فها هو يعزز حديثه عن سمة الحب بالدليل القرآني، والحديث النبوي، والبيت الشعري، ولا يمضي دون أن يعرج على أقوال العلماء الفهماء ليقنع النفوس، ويعزز الحديث، ففي هذه الخطبة عرّج على كلمة بديعة قالها عالم السلف والخلف ابن قيم الجوزية والذي أبدع في كتبه عن ظاهرة حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم.
لو كان حبك صادقًا لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيع
وقد نقل فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس عن العالم العلامة ابن قيم الجوزية -عليه من الله العفو والغفران- عبارة جميلة جاء فيها وهو يقصد حبَّ الله قوله: (هي المنزلة التي إلى عالمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات).
وهذه السمة هي عند العلماء جنة الدنيا، فمن أعرض عنها، واردراها لم يدخل جنة الآخرة، ويفوز بالنعيم الدائم:
عرفت الهوى مذ عرفت هواك
وأغلقت قلبًا عمن سواك
أحبك حبين حب الهوى
وحباً لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى
فشغلي بذكرك عمن سواك
وأما الذي أنت أهل له
فكشفك لي الحجب حتى أراك
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي
ولكن لك الحمد فى ذا وذاكا
وعودًا على بدء ففضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس ممن يرتجلون السجع درسًا وبداهة والبداهة أقصد به رهن الخاطر، ووليدة اللحظة، وقد هيأت له أمور كثيرة الاعتلاء في هذه السمة منها: حفظ القرآن الكريم من حيث فهمه وفقهه وتجويده وأحكامه حلالًا وحرامًا ثم التبحر في أحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بكل ما فيها من علم وفقه وتأصيل وأمر ونهي، ثم ملازمة كتب السلف الصالح ومرّ بنا تعريجه على ما نقله من العلامة -ابن قيم الجوزية- برد الله تربته، ومن هذه الأمور حفظ الشعر العربي الأصيل الفصيح، وحسن الاختيار، مما يدل على ذوق رفيع، مما زوده -حرسه الله- بحصيلة لغوية خصبة، وسمة بلاغية مؤثرة، فالشعر يقوي الحجة، ويلهب العاطفة، ويحرك النفس بل يفعل بها الأفاعيل لاسيما إذا اختير منه ما يدل على الوعظ، والأخلاق والعظة والعبرة، وكم ولدت اختيارات الشيخ من آداب خلاقة، وشمائل أخاذة، فحرك ذوقه الشعري مستمعي خطبه، وزادهم قدرة على التأثر، وشدة في التأثير، وقناعة وقوة ووقفات تضفي على مقاطع الخطبة الرواء العقلي، فترتقي الهمة، وتنشئ المتعة، وتزدهر الحكمة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من الشعر حكمه) وكان ينشد معهم الأبيات الشعرية وهو يبني وصحابته الكرام المسجد النبوي الشريف، وعلوًا على هذا كان يرفع ببعض الكلمات الشعرية صوته الرخيم يقول العلامة العالم الشيخ ابن باز -عليه رحمة الله وعفوه وغفرانه: (إن إنشاد الشعر الحق الطيب في الخطب والمواعظ والمحاضرات خطب الجمعة والأعياد لا بأس به، لأنه يؤثر ويحصل به خير عظيم).
وأخيرًا وليس آخر يعجبني ذلك التشابه القوي بين وعظ علامة الأمة ابن الجوزي وبين وعظ الشيخ عبد الرحمن السديس من حيث الاستدلال والاختيارات والاستشهاد، والغرام بالسجعات، وتذكرني خطبة (الاعتبار بانقضاء الأعمار) بكتاب ابن الجوزي المتطاول طولًا في معناه، قصرًا في مفرداته. وهو: (تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر) فقد أبدع ابن الجوزي درة الواعظين فيه، وإن شئت أن تعرف ذلك التشابه والتلازم بين الواعظين، فعليك به حفظ الله الشيخ العالم العلامة، والأستاذ الفهامة، الدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس، وأمدّ مجد الوعظ، وسؤدده وتأثيره بطول عمره -آمين-.