اللواء الركن م. د. بندر بن عبدالله بن تركي آل سعود
تابعت خلال الاعتداءات الإيرانية التي طالت دول الخليج، فأحدثت خسائر في الأرواح والممتلكات وأضراراً في بعض البنية التحتية هنا وهنالك، ولو لا لطف الله سبحانه وتعالى، ثم كفاءة أسود العرين، لكان الحال غير الحال اليوم.
أقول تابعت المواقف الرسمية المخزية لبعض الدول العربية التي كانت رمادية في أفضل الأحوال، وإن كنت شخصياً لا أنتظر أكثر من هذا، فقد كنت أول من كتب في الصحافة العربية معبراً عن خيبة الأمل في (جامعة الدول العربية).
أقول تابعت تلك المواقف الرسمية المخزية لبعض الدول العربية تجاه ما تعرضت له دول الخليج من اعتداءات آثمة من قِبَل إيران، إضافة إلى سيل جارف من بعض الشعوب العربية هنا وهنالك، تفوح منه روائح منتنة تغلي بالحقد والحسد والشماتة والاستهزاء والسخرية والكراهية، بل والبذاءة أحياناً حتى من بعض السيدات، للأسف الشديد.
لكن على كل حال، الله غالب على أمره، فكفانا الشَّر بلطفه، ثم من بعد بحكمة قادتنا وبسالة رجال قواتنا المسلحة ووعي مجتمعاتنا وتماسكها والتفافها حول قياداتها، فكانت الخسائر في أدنى مستوىً لها، مقارنة بحجم التحدي الذي كان ماثلاً للعيان.
وبالمقابل كان بدهياً أن تثير مثل تلك المواقف المخزية الرمادية للأنظمة العربية الرسمية ولبعض شعوبها الحاقدة، حفيظة شعوب الخليج التي كانت ترى في أشقائها العرب عمقها الإستراتيجي وخط دفاعها الأخير؛ لكن للأسف الشديد خاب ظنها، وتبدد وعد (مسافة السكَّة) أدراج الرياح. وبدا أن وسيلة نقل الجند والعتاد لاجتياز تلك المسافة، كانت سلحفاة، وكسولة بعد.
اقترح وزير الدولة للإعلام في إحدى الدول العربية، إعداد (ميثاق شرف إعلامي عربي) لمواجهة الشائعات وحملات الإساءة التي تستهدف العلاقات بين الدول العربية، معلناً التقدم بطلب لعقد اجتماع طارئ لوزراء الإعلام العرب، لوضع إستراتيجية موحدة وإقرار الميثاق وتجريم التجاوزات.
وعليه أتساءل هنا بحسرة ومرارة شديدة: هل للعطَّار يا هذا من حيلة لإصلاح ما أفسده الدهر؟!. وعلى كل حال، مع الاحترام والتقدير، إلا أنني أحسب أن ما فشلت فيه الجامعة العربية من عبد الرحمن عزَّام حتى نبيل فهمي، لن تصلحه قرارات حماسية، يتم اتخاذها بعاطفة على عجل هنا أو هنالك.
ولعله من نافلة القول التذكير بقصة (صاحب الجنتين) التي نقرأها كل يوم جمعة على الأقل في الآيات (33 - 44) من سورة الكهف، لكن يبدو أن كثيرين يقرؤونها بأعينهم دونما تأمل. فتعيير الآخرين بالفقر والتباهي عليهم بما يتقلب فيه الإنسان من نعم أمر مذموم، بل نذير شؤم، فلنحمد الله على ما تفضل به علينا، ولندعو لمن ضاق عليهم رزقهم، وليلهج لساننا دوماً بـ (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) ولنشكر ربنا على ما أنعم به علينا، فبالشكر تدوم النعم.
نحن دولة رسالة، لسنا دولة تجارة:
وعلى كل حال، نحن هنا في المملكة العربية السعودية، دولة رسالة، وقافلة خير قاصدة إلى الأبد إن شاء الله، لدينا التزام حاسم تجاه رسالتنا، هادينا في هذا خلق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي عندما جاءه جبريل عليه السلام، ينتظر أمره صلى الله عليه وسلم أن يطبق الأخشبين على من آذوه من قومه، رفض وقال عبارته الشهيرة التي خلدها التاريخ: (لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله). فنحن هنا في المملكة العربية السعودية، نتعامل بمفهوم الرسالة، لا بمنطق التجارة.
وأحسب أن الجميع يذكر مواقف الملك عبد العزيز آل سعود تجاه قضية أشقائنا الفلسطينيين، إذ أرسل عدداً من جنوده قاتلوا كتفاً بكتف مع أشقائهم، وروت دماؤهم الزكية ثرى فلسطين الطاهر، وما تزال بعض شوارع فلسطين تحمل أسماء بعضهم. وتذكرون أيضاً أن الرئيس الأمريكي روزفلت قال إنه فهم عن قضية فلسطين من الملك عبد العزيز خلال خمسة دقائق فقط، ما عجز عن فهمه من كل ما قرأه من كتب عنها. وتعلمون أيضاً جهود الملك عبد العزيز مع تشرشل رئيس وزراء بريطانيا وغيره من أجل إيجاد حل عادل لقضية فلسطين.
ولعلكم تذكرون أيضاً في ما تذكرون أن الملك سعود دخل هيئة الأمم المتحدة وفي معيته وفد الجزائر دعماً لثورة أرض المليون شهيد، فقدَّم ملفها مطالباً الأمم المتحدة بضرورة منحها استقلالها.
وقطعاً موقف الملك فيصل في حرب أكتوبر 1973م، ليس ببعيد عن الأذهان. كما لا بد أنكم تذكرون جهود الفهد الجبارة في تحرير الشقيقة الكويت. ولا أحد ينسى جهود الملك عبد الله من أجل إيجاد حل لقضية فلسطين والمبادرة العربية، ومؤتمر مكة المكرمة في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز لإصلاح ذات البين بين الإخوة المتقاتلين في فلسطين، وتحريك درع الجزيرة لإنقاذ مملكة البحرين من مخالب إيران.
وقطعاً الكل يذكر جهود خادم الحرمين الشريفين، سيدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، قائد قافلة خيرنا القاصدة اليوم، في عاصفة الحزم، حماية لاستقلال اليمن من مخالب إيران عبر وكيلهم (الحوثيون)، ومؤتمر جدة لإيقاف نزيف الدم بين الإخوة المتقاتلين في السودان الشقيق. وقطعاً لا أحد ينسى لدولة الرسالة موقفها أثناء هذه الأزمة التي ما زال شبحها يلوح في الأفق تجاه الأشقاء في دول الخليج، مع ما في النفس من أشياء كثيرة من حتى، إذ كان شعارها: كل الوطن السعودي للخليج، فجعلت مطاراتها وموانئها تحت خدمة الأشقاء الخليجيين، وليس هذا بجديد عليها. وقطعاً لم يكن هذا هو موقفها الأول، ولن يكن الأخير.. هذا غير كثير من المواقف المشرِّفة التي لا يتسع المجال لذكرها.
أجل، نحن نتعامل بمفهوم دولة الرسالة، لا بمنطق التجارة، ولا بد أنكم تذكرون أيضاً حديث الملك فهد، الذي كان يرويه بمرارة شديدة، إذ يقول: (عندما كانت تلك الدول غارقة في كل خيرات الله، وكان آباؤنا هنا وأجدادنا يعيشون على قليل من التمر وشيء من اللبن، لم يفكر أولئك حتى مجرد تفكير في مساعدتهم. ومع هذا لم نعاملهم بالمثل، بل بذلنا لهم كل ما في وسعنا لدعمهم ومساعدتهم، بكل السبل الممكنة دون انتظار لشكر أو جزاء إلا من الله عزَّ و جلَّ).. أجل، هكذا كان ديدننا وما زال وسيظل إلى الأبد إن شاء الله، لأننا أصحاب رسالة، ولسنا دولة تجارة.
فإن كنَّا نحن هنا مثل أولئك، نعاملهم بمنطق التجارة، لا بمفهوم الرسالة، فما هو ساعتئذٍ الفرق بيننا وبينهم.. على كل حال، هذا هو قدرنا، فنحن حرز المسلمين، وخيمة العرب التي يتفيأ ظلالها الجميع. ثم إنني أتفهم جيداً ثورة حفيظة البعض، وأتفهم تعبيرهم عن مرارة الخذلان، كما أنني أفهم أن مثل تلك القرارات التي تتعلق بالعلاقات بين الدول من شأن القيادة الرشيدة، فهي التي تقرر كيفية التعامل مع هذه الدولة أو تلك بناءً على حيثيات تقدرها هي.
وعلى كل حال، أسأل الله أن يصلح الحال، وأن يهدي النفوس ويصفي النية. فالخلاف سُنّة الحياة ومن طبائع الأشياء، لكن ينبغي ألا يفسد للود قضية.