منصور بن صالح العُمري
لم تكن الأزمة التي ألقت بظلالها على المنطقة مجرد عارضٍ طارئ يُقرأ في نشرات الأخبار، بل كانت مخاضاً إستراتيجياً واختباراً قاسياً تُقاس فيه الدول بقدر ما تملك من عمقٍ، ورجاحة قرار، وسرعة بديهة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن تنجو الدولة، بل يُنظر: هل خرجت كما دخلت؟ أم خرجت وقد أعادت تعريف موقعها في معادلة القوة الدولية؟
المملكة العربية السعودية لم تكن يومًا دولة ردّ فعل، بل دولة فعلٍ مؤسس على رؤية بعيدة؛ ولهذا لم تُفاجأ بالأزمة، وإن بدت مفاجئة لغيرها، لأنها كانت قد قرأت ما وراء الأفق، وهيّأت من الأدوات ما يحوّل الاحتمالات الصعبة إلى خياراتٍ مدروسة.
أول ما يتجلَّى في مشهد المكاسب هو ذلك الشريان السيادي الذي نُحت في الصخر بأحرف الحكماء منذ عقود: خط أنابيب شرق-غرب. لم يكن مشروعًا تقنيًا فحسب، بل كان تعبيرًا مبكرًا عن عقلٍ إستراتيجي يدرك أن الجغرافيا قد تُغلق، وأن السياسة قد تضيق، وأن البديل يجب أن يكون حاضرًا قبل الحاجة إليه. وحين اضطربت الممرات البحرية، لم تتوقف إمدادات الطاقة، بل تدفقت من شرق المملكة إلى غربها، لتقول للعالم بلغة الأرقام لا الشعارات: إن أمن الطاقة ليس رهينة ممر، ولا أسير ظرف.
وفي امتداد هذا المعنى، تحولت الموانئ السعودية إلى رئاتٍ اقتصادية تتنفس بها المنطقة والعالم، لا المملكة وحدها. فبينما كانت بوصلة الملاحة الدولية تترنح تحت وطأة التهديدات، كانت المملكة ترسم مسارات بديلة لم تؤمِّن اقتصادها فحسب، بل منحت الاقتصاد العالمي طوق نجاة، حيث استقبلت موانئها وسدّت فجواتٍ خلّفها الاضطراب العالمي، وهنا تتبدى قيمة البنية التحتية حين تُبنى للعقود لا للمواسم، وللتنمية لا للمناكفات.
أما في السماء، فقد كتبت المطارات السعودية فصلًا آخر من الحكاية، إذ أصبحت بدائل تشغيلية لخطوطٍ إقليمية تعطلت مساراتها، فاحتضنت الحركة، وأثبتت أن إدارة المجال الجوي فنّ يتجاوز تنظيم الرحلات إلى إدارة الأزمات الكبرى. واقتصاديًا، ظهر الفرق بين اقتصادٍ ينتظر الاستقرار ليعمل، واقتصادٍ يعمل حتى في قلب الاضطراب لاستدامة الاستقرار؛ فشهدت صادرات المملكة نموًا ملحوظًا مدفوعة بمرونة القرار وتنوع القنوات.
وفي الجانب العسكري، كانت الأزمة ميدانًا حقيقيًا لاختبار الجاهزية، حيث تحولت التدريبات إلى واقعٍ حيّ، أثبت فيه أبطال الدفاع الجوي كفاءتهم، واطمأنّت القيادة إلى أن ما يُبنى في زمن السلم قادرٌ على الصمود في زمن التحدي. وهذا النوع من الطمأنينة لا يُشترى، بل يُبنى عبر سنوات من الاستثمار في الإنسان والتقنية والعقيدة العسكرية.
إن أعظم المكاسب لم يكن في النفط ولا في الأرقام، بل في تثبيت صورة المملكة كدولةٍ قادرة على إدارة الأزمات لا الانفعال بها. لقد حاولت بعض الأطراف إدخال المملكة في دائرة الإنهاك، فإذا بها تخرج إلى دائرة التأثير الإيجابي، فاتحةً لنفسها ولغيرها مساراتٍ جديدة، لتؤكد أن العظمة ليست في غياب التحديات، بل في تحويل كل تحدٍ إلى ركيزة بناء.
نحمد الله أولاً وأخيراً على سابق لطفه وعظيم فضله، ثم نرفع وافر الشكر والامتنان لمقام القيادة الرشيدة التي سارت بالوطن في خضم العواصف بحكمة واقتدار، والشكر موصول لكل يدٍ مخلصة من أبناء هذا الوطن الشامخ، الذين آمنوا بالرؤية وعملوا بصمت لتظل راية المملكة خفاقةً ومنجزاتها شاهدةً على عزيمة لا تلين.