د. طلال الحربي
في اللحظات الفارقة من تاريخ الأمم، ثمة فرق جوهري بين من يُسجِّل الأحداث ومن يصنعها، بين من ينتظر أن تتشكَّل الخرائط ومن يمسك بالقلم ويرسمها. وحين أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانها الموقَّر في الثامن من أبريل 2026، مرحِّبةً بإعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية إيران الإسلامية، لم تكن الرياض تُعلِّق على حدث مضى، بل كانت تُعلن عن دور اضطلعت به في الخفاء قبل أن يُعلن عنه في الضوء.
الأسابيع التي سبقت هذا الإعلان كانت من أشد لحظات التوتر الإقليمي حدةً منذ سنوات. كانت التصريحات تتصاعد والتحركات العسكرية تتكاثف والأسواق تترقب، بينما كانت المملكة العربية السعودية تختار مساراً مغايراً تماماً لما يتوقعه المراقبون السطحيون. اختارت الصمت الإستراتيجي، ذلك الصمت الذي لا يعني الغياب، بل يعني أن العمل يجري في العمق بعيداً عن الأضواء التي تُفسد المفاوضات وتُعقِّد المسارات. كانت قنوات الاتصال السعودية مفتوحة على أكثر من اتجاه في آنٍ واحد، حاملةً رسالةً واحدةً ثابتة: الحل ممكن، والبديل عن الحل كارثة لا يتحمَّلها أحد.
وتجلَّى هذا المسار بوضوح فيما جرى من اتصالات رفيعة المستوى بين سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف، تلك الاتصالات التي أسَّست لتفاهم عميق حول ضرورة تحويل لحظة الأزمة إلى لحظة اختراق دبلوماسي حقيقي. لم تكن مجرد مكالمات بروتوكولية بين مسؤولين، بل كانت حواراً إستراتيجياً بين قيادتين تقرآن المشهد بعمق وتتحمَّلان معاً مسؤولية المبادرة.
لا يمكن فهم البيان السعودي بمعزل عن السياق الذي أنتجه، وفي مقدمة هذا السياق الاجتماع الرباعي الذي جمع وزراء خارجية المملكة العربية السعودية وباكستان ومصر وتركيا في إسلام آباد. كان ذلك الاجتماع، في ظاهره، لقاءً تشاورياً بين دول تجمعها علاقات صداقة وتوافق على أولويات الاستقرار الإقليمي. لكنه في جوهره كان شيئاً أكبر من ذلك بكثير: كان بناء إجماع حول ضرورة احتواء الأزمة قبل أن تخرج عن السيطرة، وإرسال رسالة موحَّدة إلى طرفَي الصراع مفادها أن المنطقة لا تريد حرباً وأن ثمة طرقاً أخرى لتسوية الخلافات.
الوزير الأمير فيصل بن فرحان، الذي يُجسِّد في أسلوبه الدبلوماسي عمق الرؤية السعودية وهدوءها المحسوب، كان في قلب هذه المداولات يُقدِّم الموقف السعودي بثقة من يعرف أن بلاده تملك من الأوراق والعلاقات ما يجعلها وسيطاً ذا مصداقية عند جميع الأطراف. ذلك أن المملكة تتمتع بشيء نادر في السياسة الدولية: علاقات عمل سليمة مع واشنطن وعلاقات تطبيع ناشئة مع طهران وصداقة إستراتيجية راسخة مع إسلام آباد وصلات متينة مع أنقرة والقاهرة. وهذه التعددية الدبلوماسية ليست ترفاً، بل هي أداة الدولة الكبرى في إدارة الأزمات الكبرى.
من أكثر الدلالات عمقاً في البيان السعودي إشادته الصريحة والمفصَّلة بالجهود الباكستانية، وتحديداً بشخص رئيس الوزراء والمشير منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، اللذين أدَّيا دوراً محورياً في التواصل مع الطرفين. وهذه الإشادة ليست مجاملة دبلوماسية عابرة كما قد يتسرَّع بعض المحلِّلين في وصفها، بل هي في حقيقتها إعلان إستراتيجي بالغ الأهمية.
المملكة تقول للعالم: إن الوساطة الناجحة لا تشترط قوة عظمى تفرض حلها، بل تحتاج إلى دولة موثوقة تربطها علاقات حقيقية بجميع الأطراف وتملك الجرأة على المبادرة. وفي دعمها لباكستان بهذه الصراحة، إنما تُرسي المملكة نموذجاً يقول: نحن نؤمن بتعدد مراكز الثقل في خدمة السلام الإقليمي. وهذا موقف يستحق التأمل لأنه يعكس نضجاً سياسياً استثنائياً يضع المصلحة الجماعية فوق الاعتبارات الضيقة.
والأهم من ذلك أن الدور الباكستاني لم يكن وليد اللحظة، بل جاء في سياق تنسيق مسبق ومعمَّق مع الرياض. الاتصالات بين ولي العهد ورئيس الوزراء ووزيري الخارجية في البلدين كانت المحرك الخفي الذي أتاح لإسلام آباد أن تتحرك بثقة وصلاحية، مدركةً أن ظهرها محمي بالثقل الدبلوماسي والاقتصادي السعودي.
في البيان السعودي تم التأكيد الصريح على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً للملاحة وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. وهذا بند لا ينبغي المرور عليه مرور الكرام، لأنه يحمل أبعاداً متعددة في آنٍ واحد.
على المستوى الاقتصادي، مضيق هرمز هو شريان الطاقة العالمي بامتياز، إذ يعبر منه ما يقارب خُمس إمدادات النفط في العالم يومياً، وأي اضطراب فيه يعني ارتفاعاً فورياً وحاداً في أسعار الطاقة يطال الاقتصادات الكبرى والصغيرة على حدٍّ سواء. وبتأكيدها على حرية الملاحة، إنما تضع المملكة مصلحة الاقتصاد العالمي في صدارة اهتماماتها، مُرسِّخةً صورتها بوصفها شريكاً موثوقاً في منظومة الاستقرار الاقتصادي الدولي.
وعلى المستوى السياسي، هذا التأكيد رسالة ضمنية واضحة لطهران مفادها أن أي حل مستقبلي لن يقبل بأن تكون الملاحة البحرية ورقةً للضغط والمقايضة. إنها حدود الحل المقبول كما تراها الرياض، مرسومة بهدوء لكن بحزم لا يقبل الجدل.
وثمة ما يُضاف إلى البيان الدبلوماسي في قراءة الموقف السعودي خلال هذه الأزمة، وهو ما يمكن تسميته بفلسفة ضبط النفس الإستراتيجي. في خضم الاستفزازات المتكررة التي تعرَّضت لها المنطقة خلال الأشهر الماضية، كان من الممكن جداً أن تنجرف المملكة نحو خطاب تصعيدي يُرضي العواطف اللحظية لكنه يُعقِّد المسارات بعيدة المدى. اختارت القيادة السعودية مسلكاً مختلفاً تماماً.
هذا الضبط لم يكن لم يغفل عن طبيعة التهديدات القائمة، بل كان وعياً حاداً بأن المنطقة تمر بلحظة يمكن فيها لكلمة واحدة أن تُحوِّل التوتر إلى نار. الحكمة السياسية الحقيقية ليست في البراعة اللفظية حين يهدأ الجو، بل في القدرة على التحكم في النبرة والمسار حين تشتد العاصفة وتضيق الخيارات. وفي هذا الاختبار الصعب، نجحت القيادة السعودية نجاحاً لافتاً يستحق التسجيل والتقدير.
ولا يمكن فهم السياسة الخارجية السعودية في هذه المرحلة بمعزل عن المشروع الحضاري الكبير الذي تقوده المملكة داخلياً. رؤية 2030 التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بقناعة وعزم راسخين ليست مشروعاً اقتصادياً منفصلاً عن السياسة، بل هي في جوهرها رهان حضاري على مستقبل مختلف تشترط نجاحه بيئة إقليمية آمنة ومستقرة.
لا يمكن بناء مدن المستقبل وتطوير الصناعات وجذب الاستثمارات وتنمية السياحة في ظل منطقة تعصف بها الصراعات ويسودها عدم اليقين. ولهذا فإن انخراط المملكة في صناعة السلام الإقليمي ليس ترفاً دبلوماسياً ولا استعراضاً للنفوذ، بل هو شرط لنجاح مشروعها الوطني الكبير. السلام في الخارج شرط للازدهار في الداخل، وهذه المعادلة يفهمها ولي العهد فهماً عميقاً ويُترجمها سياسةً فعليةً يومياً.
إن صمد وقف إطلاق النار وتحوَّل إلى تسوية شاملة ومستدامة كما تأمل المملكة، فإن المنطقة ستكون أمام مرحلة مختلفة جذرياً عمَّا ألفناه في السنوات الأخيرة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فوقف إطلاق النار وتراجع مخاطر المواجهة يعنيان مباشرة تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة، واستقرار أسعار النفط بما يخدم التخطيط الاقتصادي لجميع الدول المنتجة والمستهلكة. وهذا ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو إحدى أهم ثمار الاستقرار التي ستلمسها الاقتصادات العالمية في حال نجاح هذا الاتفاق.
من أعمق مفاتيح قراءة البيان السعودي غياب أي لغة ضد أي طرف، جاء البيان مُحتفياً بالاتفاق وهذا اختيار سياسي مدروس يعكس فلسفة سعودية راسخة: الهدف دول تحترم قواعد الجوار وتلتزم بمبادئ السيادة وعدم التدخل في شؤون الآخرين.
فالمملكة تمد يد السلام لأنها تؤمن بأن الجوار حقيقة جغرافية لا يمكن إلغاؤها، وأن الأفضل دائماً بناء علاقة تقوم على الاحترام المتبادل.
حين يكتب المؤرِّخون يوماً عن هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الشرق الأوسط، سيجدون أمامهم نموذجاً سعودياً فريداً في إدارة الأزمات: الصمت حين يكون الصمت حكمة، والكلام حين يكون الكلام بنَّاء، والانخراط دوماً في خدمة الاستقرار لا في خدمة الأضواء.
المملكة العربية السعودية بقيادتها الحكيمة أثبتت للعالم أن ثمة نوعاً من القوة أعمق من القوة العسكرية وأبقى، هي قوة الثقة التي تبنيها دولة على مدى سنوات من المواقف المتسقة والالتزامات الصادقة والمبادرات الجريئة. وحين يثق بك الجميع، تصبح قادراً على أن تتكلم، حيث يصمت الآخرون وأن تُوقف حيث يتصاعد الآخرون.
البيان الصادر في الثامن من أبريل 2026 ليس نهاية قصة، بل هو فصل جديد في قصة مملكة تصنع التاريخ بأناة وحكمة وثقة راسخة بأن مستقبل المنطقة أجمل مما يراه المتشائمون وأن السلام دائماً يستحق العمل من أجله مهما كان الثمن ومهما طالت المسافة.
صانعة السلام ليست من تدَّعي المبادرة بعد انتهاء الأزمة، بل من تحمَّلت ثقل اللحظة حين كانت كلمة واحدة كافية لإشعال الحريق، فاختارت بدلاً من ذلك أن تُطفئه.